كان يعلم أن المدينة المثالية لن تقوم بسهولة (صورة AI) خرج الكاهن إلى شاطئ البحر وهو يفكّر بعمق، وشعر بوجود غريب يحيط به. تراءت له حوريات ضبابية تناديه من بعيد، من وراء الغيوم. أكنّ من بنات خياله الخصب أم كنّ حقيقة عابرة؟ لم يجد جوابًا، فانتقل إلى صخرة تواجه البحر وجلس عليها. كان الربيع يرسل نسمات خفيفة تداعب المكان، والبحر يهمس بأسراره القديمة. وبعد وقت قصير، وصل نحو عشرين شابًا، فتحلّقوا حوله وجلسوا يستمعون إليه. كانوا من أفضل تلاميذ هذه المدينة البعيدة، إحدى مدن فينيقيا الراقية، يبحثون عن المعرفة. فقال لهم: "أنتم تسعون إلى العلم، لكن ثمّة آداب وقوانين غير مكتوبة لا بدّ أن تعرفوها، فهي التي تهذّب ما في الكتب، وتمنح المعرفة معنى إنسانيًا. تحلّوا بصفات سامية، وكونوا أصدقاء أوفياء، لا غشّ بينكم ولا غدر ولا إساءة. تساندوا في السرّاء والضرّاء، ولا تجعلوا اختلافكم سببًا للخصام؛ فالمحبة لا تعني أن نتشابه، بل أن نحفظ لبعضنا مكانًا في القلب. المحبة ليست ضعفًا، بل شجاعة تمنعنا من إيذاء من نحب، وتعيننا على الاعتذار حين نخطئ، وعلى البدء من جديد حين تجرحنا الحياة، وتعلّمنا أن نترك أثرًا طيبًا في قلوب الآخرين. إنها أحد أعمدة هذه الأرض المباركة، وبها يصير الضعيف عزيزًا، والغريب قريبًا، وتغدو المدينة بيتًا لأبنائها. لقد بنى نقاء من سبقوكم هياكل أجسادكم ومعابد أرواحكم، فلا تهدموا ما ورثتموه بالجشع والقسوة. لا تسعوا وراء الذهب والفضة؛ فهما يبهران العيون، لكنهما لا يمنحان الجسد عافية، ولا العقل حكمة، ولا القلب دفئًا. ولا تفتتنوا بالسلطة، فقد يتحوّل صاحبها إلى طاغية قاسي القلب إن نسي أن قيمته تكمن في رحمته، لا فيمن يطيعه. تذكّروا أن الحياة رمشة عين وعطيّة إلهية؛ فتمسّكوا بها، واملأوا أيامكم بمحبة صادقة وعمل نافع". ثم غادر الكاهن، وعلى محياه ابتسامة صغيرة. كان يعلم أن المدينة المثالية لن تقوم بسهولة على ركام هذه المدينة، وأنها قد تسقط كسواها من الحضارات؛ فالإنسان يهرب من الكمال ويستسلم لضعفه. ومع ذلك، قد تبقى كلمة محبة بذرة تنبت في قلب ما، وتفتح للمدينة البعيدة طريقًا جديدًا.