بين صفحات "تجربتي" لجان الحواط، يلتقي الحنين إلى لبنان الرسالة مع نقد صريح لأسباب تعثّره. فالكيان، في نظر الحواط، لم يسقط رغم إخفاق حكّامه، وما زالت إرادة اللبنانيين في البقاء تشكّل مدخلا للأمل. لكن هذا الأمل لن يتحوّل إلى خلاص ما لم يصبح القانون والمؤسسات والكرامة الإنسانية أساسًا للحياة السياسية، لا شعارات موسمية. هكذا، أراد جان الحواط، المحامي والسياسي، أن يدوّن، انطلاقًا من تجربته، مراحل من تاريخ لبنان. فقد عاصر شخصيات عدّة تركت بصماتها في الحياة السياسية اللبنانية، وتفاعل معها، فرافق بعضها وتحالف مع بعضها الآخر وخاصم آخرين، وشارك في صناعة الأحداث. وأوصلته هذه السنوات الطويلة إلى طرح السؤال الآتي: أين الخلاص؟ وهو سؤال يفتح أبوابًا كثيرة في لبنان، ويختصر قلق مواطن أنهكته الأزمات المتناسلة، وأوجعه اضطرار أبناء وطنه إلى الهجرة بحثًا عن الأمان والكرامة. وهو أيضًا السؤال الذي يرافق القارئ في كتاب "تجربتي"، حيث لا يكتفي المؤلف باستعادة محطات من تاريخ لبنان، بل يحاول أن يفهم كيف وصل البلد إلى هذا الانهيار، وما الذي يمكن أن يعيده إلى طريق الدولة. ليس الكتاب سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي، ولا دراسة تاريخية باردة. إنه مزيج من الذاكرة والوثيقة والموقف، يروي فيه الحواط تجربة شخصية تتقاطع مع مسار الكيان اللبناني منذ ولادة لبنان الكبير عام 1920، وصولًا إلى بدايات الجمهورية الثالثة. ومن خلف الوقائع، يبرز سؤال الهوية والسيادة: كيف يجتمع اللبنانيون على وطنهم، فيما تتنازعهم الانقسامات والتدخلات، وتتعثّر مؤسساتهم أمام المحاصصة والفساد؟ وتحضر في خلفية هذا العمل حكاية إنسانية أيضًا. فقد بدأت فكرته في "مئوية لبنان الكبير"، عام 2020، وسط الانهيار، ثم توقّفت الكتابة مع مرض زوجته جانيت ووفاتها عام 2022. وعاد الحواط إلى البحث والتأليف، كأنّ استعادة التاريخ محاولة لمواجهة الفقد، وللتمسّك بإمكان خدمة وطن يمرّ بأصعب أيامه. يعود الكتاب إلى دور البطريرك الياس الحويك في المطالبة بـ "لبنان الكبير"، وإلى مرحلة الانتداب وبناء المؤسسات، ثم يتوقّف مطوّلا عند إميل إده و "الكتلة الوطنية"، بما مثّلاه من دفاع عن السيادة والحريات والقانون. وفي استعراضه عهود "الجمهورية الأولى"، من الاستقلال إلى الطائف، يتتبّع المؤلف محاولات بناء الدولة وما اعترضها من صراعات داخلية، وسلاح خارج سلطتها، وتدخلات إقليمية. ثم ينتقل إلى "الجمهورية الثانية"، كاشفًا، وفق قراءته، كيف أضعفت الوصاية والمحاصصة والاغتيالات والأزمات المتلاحقة استقلال القرار ومؤسسات الدولة. ولا يقف السرد عند الماضي. فالفراغ الرئاسي والانهيار المالي، ثم الحرب وما خلّفته من دمار ونزوح، كلّها تجعل السؤال أكثر إلحاحًا: هل يشكّل انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومة بداية فعلية لمرحلة جديدة؟ يرى الحواط في "الجمهورية الثالثة" فرصة مشروطة، لا ضمانة جاهزة. فالعبرة ليست في الوعود، بل في ترجمتها إلى إصلاحات تحمي حقوق الناس وتعيد انتظام المؤسسات. أما الخلاص، كما يطرحه الكتاب، فلا يأتي بترميم السلطة أو تبديل الوجوه وحده، بل يبدأ ببناء دولة يحكمها القانون: قضاء مستقل، وإدارة كفؤة، وانتخابات نزيهة، ومحاسبة تضع حدًا للإفلات من العقاب. ويقتضي استعادة السيادة وحصر قرار الحرب والسلم بالمؤسسات الشرعية، وصون الحريات والتنوّع ضمن مواطنة تتقدّم فيها الدولة على العصبيات. *يوقّع الأستاذ جان الحواط كتابه "تجربتي" يوم الخميس 29 تشرين الأول 2026، من الساعة الخامسة عصرًا حتى الثامنة مساءً، في "جناح نهاد السعيد - المتحف الوطني" في بيروت.