الكرك تودّع شهداءها... وأجراسها تتحدّى الإرهاب لم ينجح الإرهاب في كسر عزيمة المؤمنين رغم الجراح العميقة التي سبّبها (رويترز) قُرعت الأجراس في كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك الأردنية أمس، لتشهد على مجتمع متماسك يأبى أن ينكسر. هناك، حيث امتزجت الدموع بالصلوات، وحيث حُملت نعوش ثمانية شهداء مسيحيين من أصل تسعة على أكتاف المفجوعين، أثبت المسيحيون الأردنيون أن الرصاص الذي اخترق الأجساد خلال جنازة في الكنيسة يوم الجمعة الماضي لن يخترق إرادة البقاء، وأن الإرهاب الذي أراد إسكات الأجراس لن يستطيع إسكات الإيمان. كان المشهد أكبر من جنازة، وأبلغ من كلّ الكلمات: الكنيسة التي أرادها الإرهابيون مكانًا للخوف، عادت مكانًا للصلاة. والأرض التي أرادوا أن يزرعوا فيها الرعب، احتضنت شهداءها ووقفت شاهدة على أن جذور المسيحيين في هذه المنطقة أعمق من أن يقتلعها رصاص المتطرّفين الإسلاميين الجبناء، وأن انتماءهم إلى أوطانهم وأرضهم ليس منحة من أحد، ولا حقًّا قابلًا للمساومة تحت تهديد السلاح. من الكرك إلى سائر المشرق، رفع ذوو الشهداء رسالة حازمة مفادها أنه لن يكون الخوف قدر المسيحيين، ولن يكون التهجير مصيرهم المحتوم، ولن يُترك مستقبل المجتمعات المسيحية رهينة لتنظيمات تقتات من الكراهية والدم. لقد وارى أهل الكرك شهداءهم في التراب، لكنّهم لم يدفنوا معهم إرادة الحياة. وستبقى كنيسة القديس جاورجيوس دليلًا على أن الذين يقتلون باسم الله لا ينتصرون على الإيمان، وأن الذين يسفكون الدماء لإخافة المؤمنين قد يخلّفون جراحًا لا تندمل، لكنّهم لا يملكون الكلمة الأخيرة. في الكرك، انتصبت النعوش شاهدًا على المأساة، وارتفعت صلوات المؤمنين إعلانًا بأن رجاءهم أقوى من الإرهاب. وبعد الموت... هناك قيامة. انطلق موكب طويل من السيارات، بينها سيارات تحمل جثامين الشهداء، من مستشفى الكرك الحكومي إلى موقع أُعدّ خصيصًا قبالة كنيسة مار جاورجيوس، حيث تمّت الصلاة عن راحة أنفسهم، ثم دفنوا في قبر مستحدث سيُنشأ نصب تذكاري فوقه تخليدًا لذكراهم. وأظهرت مقاطع فيديو رجال أمن أردنيين يرتدون الشماغ الأردني الأحمر والأبيض، وهم يحملون على أكتافهم جثامين الشهداء ملفوفة بالعلم الأردني، وسط مئات الحضور يتقدّمهم رئيس الوزراء جعفر حسّان. ووُضعت أكاليل من الورود البيضاء على الجثامين، فيما حمل بعض أفراد العائلات صور شهدائهم. وأطلق رجال أمن النار في الهواء، وزغردت نساء في المكان الذي خيّم عليه الحزن والغضب الشديدان. وقدّم ولي العهد الأردني الأمير الحسين بن عبدالله الثاني واجب العزاء في الكرك. ويأتي ذلك بعدما هاجم ثلاثة مسلّحين متطرّفين المشاركين في جنازة في الكنيسة الجمعة بإطلاق نار كثيف، ما أسفر عن استشهاد تسعة أشخاص وجرح 25 آخرين، قبل أن يلوذوا بالفرار. وبينما سارعت السلطات الأردنية إلى فتح تحقيق في الحادثة ووعدت بالقبض على المتورّطين، لم تتمكّن من تحقيق تعهّدها حتى كتابة هذه السطور. وتوعّد حسّان، خلال ترؤّسه جلسة لمجلس الوزراء استُهلّت بقراءة الفاتحة على أرواح الشهداء، بأن "كلّ أجهزة الدولة تعمل على القبض على إرهابيي جريمة الكرك لينالوا العقوبة التي يستحقّها أمثالهم"، معتبرًا أن "هذه ليست فقط معركة أمنية، هذه معركة وعي وفكر، الشعوب والأوطان تنهار عندما تنتشر الفتنة والعصبية والعنصرية والتطرّف في مجتمعاتها". وشهد عدد من الدول وقفات تضامنية مع أهالي الكرك. وأكّد البابا لاوون الرابع عشر أنه يصلّي من أجل شهداء الكرك، معربًا عن "قربي من هذه الجماعة المسيحيّة ومن كلّ البلد، الذي يتميّز بالعيش معًا بسلام والاحترام المتبادل بين أتباع الديانات المختلفة". ولي العهد الأردني الحسين بن عبدالله الثاني كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس