الرياض وباريس... الطاقة تبني شراكة استراتيجية الرئيس الفرنسي معانقًا ولي العهد السعودي في الرياض الأربعاء الماضي (أ ف ب) لم تكن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الرياض الأسبوع الماضي مجرّد تحرّك دبلوماسي لتأمين إمدادات إضافية من الوقود، بل عكست تداخلًا متزايدًا بين أمن الطاقة والنفوذ السياسي والتعاون الدفاعي. ففي ظلّ اضطراب الملاحة في مضيق هرمز وتصاعد المخاطر التي تهدّد المنشآت النفطية، باتت أوروبا أكثر إدراكًا لكلفة الاعتماد على مسارات إمداد معرّضة للتعطيل، فيما تسعى السعودية إلى تحويل موقعها في سوق الطاقة إلى رصيد استراتيجي يعزّز حضورها الدولي. لقاء ماكرون ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الرياض في 21 تشرين الأوّل كشف تقاطعًا واضحًا بين مصالح الطرفين. فباريس تبحث عن ضمان تدفّق الوقود وتخفيف الضغوط على أسواقها، والرياض تعمل على حماية منشآتها وطرق تصديرها وتوسيع شراكاتها الأمنية. وهكذا تجاوزت الزيارة حدود التبادل التجاري لتطرح سؤالًا استراتيجيًّا: من يمتلك القدرة على حماية إمدادات الطاقة عندما تتحوّل الممرّات البحرية إلى نقاط ضغط في الصراع الإقليمي؟ أعلنت الرئاسة الفرنسية موافقة السعودية على تمديد الإمدادات الإضافية من الديزل إلى فرنسا للمدّة اللازمة. وتأتي هذه الخطوة ضمن تعهّدات خليجية شملت الإمارات والبحرين، بما يعزّز قدرة باريس على مواجهة اضطراب السوق وتخفيف الضغوط على المستهلكين. غير أن هذه التعهّدات لا تعني تحصين الاقتصاد الفرنسي من أزمة الطاقة، ولا تلغي تأثّره بتقلّبات الأسعار واضطراب طرق النقل والإمداد. أمّا الرياض، فتعزّز موقعها شريكًا مؤثّرًا في حسابات أمن الطاقة الأوروبية. ولا تُقاس القيمة السياسية لهذه الورقة بالكميات وحدها؛ فكلّما ازدادت حاجة أوروبا إلى مورّدين قادرين على الاستمرار في ظروف الأزمات، ارتفعت أهمّية الشراكات الخليجية، واتّسعت فرص التعاون في مجالات الدفاع والتكنولوجيا وحماية البنية التحتية. وهنا تتحوّل الطاقة من سلعة تجارية إلى أداة تأثير في العلاقات الدولية، تمنح الدول المنتجة مساحة أوسع للمشاركة في صياغة التفاهمات الأمنية والاستراتيجية. تكتسب مدينة ينبع أهمّية استراتيجية بوصفها منفذًا رئيسيًّا لصادرات النفط السعودية على البحر الأحمر، وترتبط بخط أنابيب شرق - غرب، الذي ينقل الخام من المنطقة الشرقية متجاوزًا هرمز. وتعمل السعودية على تعزيز مرونة هذا المسار وتطوير بنيته التحتية، بما يُتيح توسيع خيارات التصدير وتقليص الاعتماد على الممرّات البحرية الأكثر عرضة للاضطراب. وتندرج هذه الجهود ضمن مسعى أوسع لضمان استمرار تدفّق النفط في ظلّ التصعيد الإقليمي. لكن وجود مسار بديل لا يعني زوال المخاطر؛ فالأنابيب ومحطّات الضخّ والموانئ والمنشآت الصناعية تبقى عرضة للاستهداف. وفي هذا السياق، أعلنت فرنسا إرسال قدرات عسكرية وأنظمة دفاعية للمساهمة في حماية ينبع، في إطار ترتيبات دفاعية مع السعودية. كما أبدت باريس استعدادها للمساعدة في تأهيل المنشآت المتضرّرة، واتفق الطرفان على مواصلة المشاورات الأمنية والعمل على مشاريع بنية تحتية تحدّ من المخاطر المرتبطة بهرمز. وتعكس هذه الخطوات انتقال الشراكة من التنسيق السياسي إلى إجراءات تستهدف حماية المصالح الحيوية. وتضع التهديدات التي تطول السعودية والملاحة الإقليمية أمن الطاقة في صلب معادلة الردع. فاضطراب هرمز والمخاطر المحيطة بالبحر الأحمر يرفعان تكاليف النقل والتأمين، وتنعكس آثارهما على الأسواق العالمية. كما أن علاقة الحوثيين بإيران تجعل تحرّكاتهم جزءًا من الحسابات الأمنية الإقليمية، من دون أن يُلغي ذلك تعقيدات الصراع أو الحاجة إلى خفض التصعيد وحماية الملاحة الدولية. وتواجه فرنسا معادلة دقيقة: دعم أمن شركائها وحماية مصالحها الاقتصادية، من دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة تتجاوز أهدافها الدفاعية. أما الرياض، فتسعى إلى تحويل التعاون الأوروبي إلى قدرة عملية على حماية المنشآت وطرق التصدير، لا إلى الاكتفاء بمواقف سياسية لا تغيّر مستوى المخاطر. ويظلّ نجاح هذا التوجّه مرتبطًا بفاعلية الإجراءات الدفاعية وقدرة الأطراف المعنية على احتواء التهديدات. تكشف زيارة ماكرون أن أمن الطاقة أصبح جزءًا من هندسة العلاقات الدولية. فقد حصلت باريس على تمديد للإمدادات السعودية وتعهّدات خليجية إضافية، فيما عزّزت الرياض حضورها في الحسابات الأوروبية ووسّعت مجال التعاون الأمني. لم تعد أهمّية السعودية تُقاس بحجم إنتاجها وحده، بل بقدرتها على الإسهام في استقرار منظومة الطاقة الدولية. وفي المقابل، تدرك فرنسا أن حماية اقتصادها لا تتحقّق بعقود التوريد وحدها، بل تحتاج إلى شراكات قادرة على التعامل مع المخاطر التي تهدّد مصادر الطاقة وطرق عبورها. وهنا تكمن الخلاصة: الرياض توظّف الطاقة لتعزيز نفوذها ا