قضية شاحنة ضهر البيدر لن تُحال، على أبعد تقدير، إلى المجلس العدلي، هذا يعني، في الاستنتاج، أن هناك ضوءًا أخضر لـ"حزب الله" لمواصلة نقل السلاح؟ ليست قضية شاحنة ضهر البيدر مجرّد ملف أمني ينتظر استكمال التحقيقات، بل اختبار فعلي لقدرة الدولة اللبنانية على تطبيق القانون حين يتقاطع القضاء مع الحسابات السياسية. فإبقاء طلب الإحالة إلى المجلس العدلي معلّقًا، بدل حسمه، يطرح سؤالا يتجاوز الشاحنة وحمولتها: هل تستطيع الدولة فرض سلطتها على الجميع، أم أن بعض الملفات تصبح رهينة التوازنات؟ لم يحسم مجلس الوزراء إحالة القضية إلى المجلس العدلي، وسط تباين في المواقف السياسية والقضائية بشأن الخطوة وتوقيتها. لقد تحوّل الملف إلى نقطة اشتباك حول مفهوم السيادة وحصرية السلاح بيد الدولة. انسوا المجلس العدلي، إذا كانت السياسة ستسبق القانون، فحين تُطرح قضية بهذا الحجم، لا يكفي التذرّع بالتريّث أو انتظار التوقيت المناسب لتبرير إبقائها معلّقة. المطلوب أن يعرف اللبنانيون ما الذي نُقل، ولأي غاية، ومن يتحمّل المسؤولية، وأن تُستكمل التحقيقات من دون ضغوط أو استثناءات. إن عدم الإحالة، في حال تحوّل إلى قرار نهائي من دون مسار قضائي واضح وفعّال، قد يُقرأ باعتباره رسالة سلبية مفادها أن الملفات الحساسة يمكن احتواؤها سياسيًا بدل الاحتكام إلى آليات قضائية تتناسب مع خطورتها. وهنا تحديدًا تكمن خطورة التداعيات: فقد يشكّل ذلك، ضوءًا أخضر لـ"حزب الله" لمواصلة نقل السلاح، لأن غياب المحاسبة الرادعة يضعف قدرة الدولة على منع تكرار الوقائع نفسها. لكن هذه النتيجة ليست حتمية، فعدم الإحالة إلى المجلس العدلي لا يعني قانونًا إقفال التحقيق أو إسقاط المسؤوليات. المعيار الحقيقي هو ما إذا كانت الأجهزة المختصة ستواصل عملها، وما إذا كان القضاء سيصل إلى نتائج معلنة، وما إذا كان القانون سيُطبّق على كل من تثبت مسؤوليته، بصرف النظر عن انتمائه. المشكلة، إذًا، ليست في اسم المحكمة وحده، بل في الرسالة التي ستخرج بها البلاد من هذا الملف. فإذا بقيت التحقيقات جدية ومستقلة، أمكن للدولة إثبات أن العدالة لا تتوقف عند حدود الإحالة. أما إذا انتهى التريّث إلى طيّ القضية أو تعطيل المحاسبة، فستتعمّق الشكوك في قدرة المؤسسات على فرض سلطتها. في النهاية، لا يحتاج اللبنانيون إلى شعارات جديدة عن السيادة، بل إلى خطوات تثبتها. فقضية ضهر البيدر امتحان لصدقية المؤسسات، وأي إخفاق في كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين سيترك سؤالا مفتوحًا: من يقرّر فعليًا أين يُنقل السلاح، ومن يملك حق مساءلة ناقليه؟