تقترب الانتخابات الإسرائيلية من موعدها فيما تقف المنطقة أمام مرحلة مفتوحة على احتمالات عدة، من تثبيت معادلات المواجهة القائمة إلى الانزلاق نحو تصعيد إقليمي أوسع. وبين حسابات رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الانتخابية، وموقف واشنطن من جبهتي لبنان وإيران، تتراجع قدرة الاستحقاق الإسرائيلي وحده على تحديد مسار المرحلة المقبلة، في ظل ترابط متزايد بين ساحات المواجهة وتداخل المصالح الأميركية والإسرائيلية. أما لبنان، فيجد نفسه في قلب هذه المعادلات، عرضة لضغوط سياسية وميدانية تتجاوز حدوده، فيما تبدو أي تسوية على جبهته مرتبطة بمسار إقليمي لم تتضح ملامحه بعد. المؤكد أنّ الضغوط الانتخابية قد تدفع نتنياهو إلى توظيف التصعيد الأمني لتعزيز حظوظه، إلا أنّ تطورات الضفة الغربية، ولا سيما عملية الخليل والإعلان عن خطة عسكرية واسعة، قد تحوّل الاهتمام الإسرائيلي مؤقتاً عن الساحة اللبنانية، من دون أن تلغي احتمال التصعيد فيها. بينما تبقى أي مواجهة واسعة، سواء مع إيران أو في لبنان، مرتبطة إلى حدّ كبير بالموقف الأميركي، نظراً إلى مخاطر اتساع رقعتها وانعكاساتها الإقليمية. بالموازاة، فإنّ تعثّر التوصل إلى تسوية بين واشنطن وطهران قد يرفع احتمالات الصدام، بما ينعكس على مختلف ساحات المنطقة، ومنها لبنان. وفي ظل هذا التشابك، لا يقتصر توظيف الضغوط على طرف دون آخر، إذ تستخدم واشنطن التلويح بالتصعيد الإسرائيلي لدفع لبنان نحو شروط ومطالب تتصل بواقعه الداخلي، فيما يستفيد نتنياهو من الغطاء الأميركي لتكريس معادلات ميدانية جديدة. في قراءة لاحتمالات التصعيد في لبنان ربطاً بالانتخابات الإسرائيلية، خصوصاً في ظل التحذيرات الغربية والعربية التي تصل إلى لبنان، ومفادها أننا أمام عشرة أيام صعبة، يشير المتخصص في الشأن الإسرائيلي علي حيدر، في حديث مع "المدن" إلى أن أنّ الانتخابات الإسرائيلية "تشكّل محطة مؤثرة في توجّهات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وخياراته، ولا سيما في ضوء استطلاعات الرأي التي لا تزال تضعه خلف منافسيه، ولا تمنحه القدرة على تأمين أغلبية الـ61 عضواً في الكنيست اللازمة لتشكيل الحكومة. كذلك، لا يزال معسكره متأخراً عن مجموع أحزاب المعارضة من حيث عدد المقاعد، وفقاً لهذه الاستطلاعات". هذا الواقع يدفع نتنياهو، من حيث المبدأ، إلى محاولة رفع منسوب التوتر الأمني وتوظيفه انتخابياً، انطلاقاً من تقديره أنّ الأجواء الأمنية المتشددة تخدمه أكثر مما تخدم منافسيه. وبحسب حيدر فإنّ "مستجداً طرأ أخيراً تمثّل في عملية الخليل في الضفة الغربية، التي تصدّرت المشهد الانتخابي والسياسي والأمني داخل إسرائيل، وطغت على سائر الملفات. وبالتالي، بات أمام نتنياهو مجال لتوظيف هذه التطورات، إذ يمكنه الاستناد إلى العملية لتبرير تصعيد أمني إضافي، خصوصاً بعدما أعلن اطّلاعه على تفاصيل خطة عسكرية قال إنها ستكون الأضخم ضد الضفة الغربية منذ ما بعد حرب عام 1967. وهذا يعني أنّ التوظيف الانتخابي بدأ فعلياً من بوابة الضفة الغربية. وقد يخفّف ذلك مؤقتاً من احتمالات لجوء إسرائيل إلى تصعيد أمني في لبنان، لكنه لا يلغيها، إذ تبقى حسابات القيادة الإسرائيلية وطريقة توظيفها للتطورات الميدانية في اتجاهات مختلفة غير واضحة بالكامل. وعليه، فإنّ احتمال إقدام نتنياهو على تصعيد قبيل الانتخابات لا يزال قائماً، وإن كان الاهتمام قد انتقل في المرحلة الراهنة إلى التصعيد في الضفة الغربية". ويتابع حيدر: "أمّا بالنسبة إلى الموقف الأميركي، فقد بات واضحاً أنّ أي تصعيد في المنطقة، سواء تجاه إيران أو لبنان، يصعب أن يحصل من دون موقف أميركي واضح. فالتصعيد الذي يتجاوز مستويات معينة، ولا سيما إذا طال الضاحية الجنوبية لبيروت أو اتخذ أبعاداً أوسع في الجنوب اللبناني، قد يدفع إيران إلى الرد، وعندها تصبح المواجهة مرتبطة بالحسابات الأميركية أكثر مما هي مرتبطة بالقرار الإسرائيلي وحده". من هنا، لا تبدو المواجهة السياسية مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مصلحة نتنياهو، خصوصاً بعد الدعم الكبير الذي قدّمه إليه ترامب ولأسباب متعددة. لذلك، يحرص نتنياهو على البقاء منسجماً مع التوجّه الأميركي حيال الساحتين اللبنانية والإيرانية. وفي ما يتعلق بلبنان، يقول حيدر إنّ "إسرائيل تتعامل معه باعتباره ساحة قائمة بذاتها، لأسباب استراتيجية وتاريخية وعسكرية، لكنها تنظر إليه أيضاً بوصفه جزءاً من مشهد إقليمي أوسع، يتأثر بما يجري في إيران والمنطقة، كما يؤثر فيه. وبذلك، يمكن القول إنّ ساحات المواجهة مترابطة على مستويات عدة، وإنّ التوتر في أيّ منها قد ينعكس، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على الساحات الأخرى". أمّا على مستوى التصعيد الإقليمي، فيمكن القول إنّ احتمال الصدام الأميركي الإيراني بات مرتفعاً، في حال عدم التوصل إلى تسوية، فيما تبدو فرص التوصل إلى