مَن خذل مَن... الشّعب أم الوطن؟ 26 تشرين الأول 2026 · 12:22 ص قراءة في دقيقتين حجم الخط كلّما التقيتُ لبنانياً في الغربة، ودار الحديث عن الوطن، تتكرّر العبارة نفسها، بحسرةٍ لا تخلو من مرارة: «لبنان خذلنا... لم يترك لنا خياراً سوى الرحيل». وفي كلّ مرة، أسأل نفسي: هل خذلنا لبنان حقاً، أم أننا، بطريقةٍ أو بأخرى، شاركنا في خذلانه؟ فالوطن ليس حكومةً نلعنها، ولا سلطةً نحمّلها كلّ خيباتنا. الوطن هو نحن... أمي وأبي، وذاكرتي وهويتي، وتاريخ أجدادي، والأرض التي صنعت انتماءنا، حتى حين ابتعدنا عنها. لكن، أليس غريباً أن نثور على الفساد ونلجأ إلى المحسوبيات؟ أن نطالب بدولة القانون ونبحث عمّن يتجاوزه لمصلحتنا؟ أن نرفض الطائفية في العلن ونستحضرها عند أول امتحان؟ أن نلعن الطبقة السياسية، بينما يتمسّك كلّ فريق بزعيمه، ويحمّله وحده صكّ البراءة؟ عشنا حرباً أهلية دمّرت الحجر والبشر، لكنّها لم تنتهِ في عقولنا. تبدّلت الشعارات، وبقيت الانقسامات، وتوارثت العائلات السياسية النفوذ كما لو أنّ الوطن إرثٌ خاص، لا دولةٌ يتساوى فيها المواطنون. انتهت الحرب على الجبهات، لكنّها ما زالت تسكن في ذاكرتنا وخطابنا وخياراتنا. والمفارقة أنّ اللبناني الذي يبدع في بلاد الاغتراب، ويحترم قوانينها ويشارك في نهضتها، يجد نفسه في وطنه أسير منظومةٍ تُضعف ثقته بالدولة وتدفعه إلى البحث عن الحماية خارج مؤسساتها. فلماذا نستطيع أن نكون مواطنين في أوطان الآخرين، ونتحوّل في وطننا إلى أتباع؟ هنا تكمن المعضلة. لسنا جميعاً مسؤولين بالقدر نفسه؛ فلا مساواة بين من امتلك السلطة واستغلّها، ومن دفع ثمن قراراتها، ولا بين من أُجبر على الرحيل ومن استفاد من انهيار الدولة. لكنّ الظلم الذي تعرّضنا له لا يُعفينا من مراجعة أنفسنا، ولا يبرّر صمتنا عن أخطاء من نؤيّدهم. لقد أتقنت المنظومة السياسية استثمار مخاوف اللبنانيين وانقساماتهم، لكنّها ما كانت لتستمرّ لولا ثقافة التبعية التي جعلت الزعيم أقوى من المؤسسة، والطائفة أسبق من الوطن، والمصلحة الخاصة أعلى من المصلحة العامة. ولعلّ أخطر ما أصابنا ليس ما خسرناه فحسب، بل ما اعتدنا خسارته حتى أصبح الاستثناء قاعدة، والفساد أمراً مألوفاً، والحقّ منّةً نطلبها بدلاً من أن نطالب بها. لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الرثاء، ولا إلى زعيمٍ جديد نعلّق عليه آمالنا. يحتاج إلى دولة تحاسب، ومؤسسات تحمي، ومواطن لا يساوم على كرامته ولا يبرّر الخطأ لأنّ مرتكبه من طائفته أو حزبه. أما نحن في الاغتراب، فربما آن الأوان أن ندرك أنّ الابتعاد عن الوطن لا يعني التخلّي عن مسؤوليتنا تجاهه، كما أنّ حبّه لا يُقاس بكمية الحنين إليه، بل بما نفعله من أجله، أينما كنّا. فالأوطان لا تخذل أبناءها كما يفعل البشر، بل تُخذَل حين تتحوّل إلى غنيمةٍ في أيدي بعض أبنائها، وإلى ذكرى في قلوب الآخرين. لبنان لم يفقد أبناءه فقط... بل فقد ثقتهم به. ولن يستعيدهم بالحنين، بل باستعادة الدولة التي يستحقّونها.