على امتداد عطلة نهاية أسبوع كاملة، انشغلت مدينة ليون بالأخوين جويل وإيثان كووين، احتفاءً بمنحهما جائزة لوميير لعام 2026. عُرضت 14 من أفلامهما، من ”أريزونا جونيور" إلى "أنشودة باستر سكراغز"، مروراً ببعض أبرز روائع التسعينات، مثل "بارتون فينك" و"فارغو" و"ذا بيغ ليبوسكي". كانت مناسبة لاستعادة عوالم أميركية، وضعها الأخوين من خلال تجوال مستمر بين الأنواع الفيلمية، تحت مجهر السخرية والسوداوية، كاشفين ما تنطوي عليه بلادهما من عنف وتناقضات وأوهام. بلغ تكريم الأخوين الحكواتيين ذروته في أمسية حاشدة أُقيمت في مركز المؤتمرات، في حضور عدد من النجوم، بينهم خافيير باردم، الذي روى، بنبرة طريفة، تجربته في الوقوف أمام كاميراتهما. وفي وقت سابق من اليوم نفسه، احتضن مسرح "ليه سيليستان" لقاءً جماهيريا مع المخرجين، استعادا فيه محطّات من مسيرتهما. أدار الحوار تييري فريمو، مدير معهد لوميير، وسرعان ما اتّضح أن الكلام ليس الوسيلة المفضّلة للأخوين للتعبير عن تجربتهما السينمائية. فهما، اللذان يصوغان أفكارهما بالصورة، لم يبديا حماسة كبيرة لتحليل أعمالهما أو تفكيك خياراتهما الفنية، لا بل سعيا إلى تقزيم الجزء الواعي من شغلهما. وكان فريمو يجد صعوبة في انتزاع إجابات تتجاوز العموميات، خصوصاً عندما حاول استدراجهما إلى الحديث عن البُعد البصري في أفلامهما. وحين سألهما عن هذا الجانب، علّق مازحاً بأنه يأمل ألا يخيّبا أمله بإنكار اهتمامهما بالنبرة البصرية واختيار الألوان. في المقابل، حضرت السخرية من الذات باعتبارها ملمحاً بارزاً في حديثهما، بما يستدعي خلفية ثقافية يهودية. "أشعر أنني لا أستحق هذا التقدير كله، لكنني لن أرفضه!"، قال إيثان في تعليق يذكّر بحوارات أفلامه. استعاد الأخوان بداياتهما السينمائية، من اكتشافهما المبكر للأفلام إلى تجاربهما الأولى في التصوير، وصولاً إلى تبلور أسلوبهما القائم على الكتابة والإخراج المشتركين. وتطرّقا إلى علاقتهما بالممثّلين، ولا سيما فرانسز ماكدورماند، زوجة جويل، وشريكتهما في عدد من الأفلام، كما ناقشا مستقبل السينما في ظلّ صعود منصّات البث وتراجع تجربة المشاهدة الجماعية. أما الختام، فجاء على طريقتهما: نبرة ساخرة في تناول المهرجانات والتكريم والجوائز، كأنهما يفضّلان التخفّف من أبهة المناسبة على الانخراط في طقوسها الاحتفالية. "النهار" كانت حاضرة في ليون، وتنقل لقرائها أهم ما جاء في هذا اللقاء مع جويل وإيثان. جويل كووين: "نشأنا في مينيسوتا، ثم ذهبتُ إلى نيويورك لدراسة السينما. عشتُ فيها طوال ما يزيد قليلاً على خمسين عاماً. صحيح أننا عدنا إلى مينيسوتا لتصوير بعض أفلامنا، لكن نيويورك هي موطننا الحقيقي. نشأ والدنا في لندن، فيما نشأت والدتنا في مدينة نيويورك. خلال طفولتنا في مينيسوتا، التي هي أشبه بـ"سيبيريا الولايات المتحدة"، أتذكّر أنني سألتُ أبي ذات مرة: لماذا نحن هنا؟ كان والدنا يدرّس في جامعة مينيسوتا، وفيها نادٍ سينمائي ممتاز. شكّل هذا النادي مدرسة حقيقية لنا، بعيداً من التلفزيون وأفلام هوليوود التي كانت تُعرض في الصالات". مع خافيير باردم بعد تسلّمهما جائزة لوميير 2026. إيثان كووين: "بحكم كونه الأكبر سنّاً، سبقني جويل إلى عالم السينما. حصل على وظيفة مساعد مونتير في نيويورك، لدى امرأة رائعة كانت تسمح له بمونتاج الأفلام بنفسه، بدلاً من الاكتفاء بمهام المساعد. من خلال تلك الوظيفة، أدخلني إلى عالم الكتابة. بدأنا نكتب السيناريوهات لأشخاص يتعرّف إليهم أثناء عمله في المونتاج". جويل كووين: "عندما استقررنا في نيويورك، عملتُ لدى مونتير يشتغل في معظم الأحيان على أفلام الرعب، من النوع الدموي الصريح الذي تتناثر فيه الدماء على الجدران. كنّا نرى شبّاناً يأتون إلى المكتب بعدما أنجزوا أفلاماً روائية طويلة من إنتاجهم، وكان معظمها أفلام رعب. كان سام رايمي واحداً منهم، وقد عملتُ على أحد أفلامه الأولى. في ذلك الوقت، إذا لم تكن تصوّر فيلماً من إنتاج أحد الاستوديوهات، كان النموذج السائد هو أن تخرج وتنجز فيلماً مستقلاً، ضمن فئة أفلام الرعب المنخفضة الموازنة". "كلّ ما أردناه هو أن نروي حكاية جيدة" إيثان كووين: "كانت تجاربنا الأولى في تصوير الأفلام أقرب إلى اللعب والعبث. أخذنا أفلاماً روائية طويلة من هوليوود، غالباً ما كانت رديئة، مثل "الفريسة العارية" لكورنيل وايلد، فنصنع منها نسخاً خاصة بنا لا تتجاوز دقيقتين. يحلو لي الاعتقاد بأننا أجرينا عليها تحسينات! أظن أننا كنّا نحاول أيضاً فهم علاقتنا بالسرد السينمائي الطويل". جويل كووين: "كنّا نفهم شيئاً عن المونتاج، لكنّنا لا نعرف أنه يمكن فعلياً تقطيع الفيلم وإعادة تركيب أجزائه. ولم نكن على دارية بفكرة المونتاج المتوازي، أي متابعة قصّتين تجريان في الوقت نفسه. لذلك، كنّا نصوّر لقطة، ثم نهرع إلى مكان آخر لتص