التحضيرات الارتجالية التي يقوم بها سلمان حكمت الهجري وبعض الناشطين من فصائل الحرس الوطني في السويداء، جنوب سوريا، لن يُكتب لها النجاح، وهؤلاء يصنعون بأيديهم شرنقة اختناقهم في نهاية المطاف، ذلك أن الأجواء الدولية والعربية، وموازين القوى داخل طائفة الموحدين الدروز في المحافظة، لا تعطي أي فرصة لنجاح مشروعاتهم الغريبة التي تهدف إلى سلخ السويداء عن وطنها الأم. والمحافظة لا تملك أي مقومات للعيش إذا ما انفصلت عن سوريا، ووعود بنيامين نتنياهو الانتخابية ستذهب مع الريح بعد 27 تشرين الأول/ أكتوبر، وهو اعتاد الانقلاب على التزاماته، ولا تُقيده حدود أخلاقية ولا التواقيع. وما حصل عشية 12 تموز/ يوليو 2025، إبان الأحداث الأليمة التي وقعت في السويداء، خير دليل على ذلك. فهو وافق في لقاء باكو على دخول قوات حكومة الرئيس أحمد الشرع إلى المحافظة لفضّ الاشتباك، وتحلَّل من الاتفاق لاحقاً لتحصل المذبحة، وليدّعي بعد انتهائها أنه "دافع عن الدروز"، بينما كان قادراً، من خلال فائض القوة التي يمتلكها، على أن يمنع المقتلة قبل حصولها لو كان صادقاً، ولكنه بالفعل كان شريكاً في الإعداد لها. المعطيات المتوافرة تؤكد أن مجموعة من المتحمسين الذين كانوا سبباً للمأساة التي حصلت في السويداء، يحضّرون للقيام بأعمال أمنية في غرب السويداء وجنوبها، تحت شعار "تحرير القرى المحتلة"، ولكنهم يهدفون إلى زيادة التوتر مع الحكومة السورية، وإيجاد مبررات لبعض المتفلتين لارتكاب موبقات أمنية شنيعة، على شاكلة ما حصل في تموز/ يوليو 2025، لاتخاذها ذريعة لزيادة منسوب المطالبة بالانفصال، أو طلب الحماية من إسرائيل. وهذه المجموعات، التي ينتمي غالبية أعضائها إلى حقبة ما قبل سقوط نظام الأسد، تعتاش سياسياً ومالياً على الفوضى القائمة، من خلال التهريب وفرض الخوات وتلقي المساعدات المشبوهة، بينما أهالي المحافظة المنكوبون يعيشون في حالة عوز وإذلال قاسية. أوهام قيام "دولة درزية" في المحافظة لا يمكن تحقيقها على أرض الواقع، فغالبية الدروز يرفضون ذلك، وعناصر قيام الدولة غير متوافرة على الإطلاق، لا من ناحية تحديد الإقليم الترابي، ولا من ناحية شرط الموافقة العارمة للسكان، ولا من ناحية وجود سلطة موثوقة تعبّر عن إرادة الشعب، وهذه العناصر يجب أن تتوافر لطلب الاستقلال. إضافة إلى هذا، فإن محافظة السويداء هي جزء لا يتجزأ من السيادة العربية السورية وفق القانون الدولي، وسكانها جزء لا يتجزأ من النسيج السوري، وهذه الوقائع لا تعطي مشروعية للمطالبة بحق تقرير المصير في السويداء، كون هذا الحق مرتبطاً بالشعوب الخاضعة للاستعمار أو التي تقع تحت الاحتلال، وفقاً لما جاء في ميثاق الأمم المتحدة لعام1945 . والانتهاكات التي أصابت أبناءها في المرحلة الانتقالية هي بمثابة جرائم إرهابية، وعلى الحكومة السورية والمجتمع الدولي أن يقدّما المرتكبين للمحاكمة أمام القانون في أسرع وقت، والمماطلة في تطبيق هذه الإجراءات تعطي للمتمردين وللمرتبطين بالمشروع الإسرائيلي الحجة لكي يتمادوا في اندفاعتهم الانفصالية المتهورة. سبق للموحدين الدروز أن تعرَّضوا للاضطهاد في فترات سابقة، على يد قوى الوصاية والاستعمار، وفي عام 1954 خلال حكم الرئيس السوري أديب الشيشكلي. ودافع الدروز عن أنفسهم، ولاحقوا المعتدين، إلى أن نالوا من حياة الشيشكلي بالذات، ولكنهم لم يطلبوا الانفصال عن سوريا، بل على العكس من ذلك، رفضوا القبول بـِ "دولة درزية" أيام الانتداب الفرنسي، وتمسكوا بالانتماء إلى سوريا الموحدة، وقاد ابن السويداء البار سلطان باشا الأطرش، مع رفاق له من حلب والساحل وإدلب ودمشق والجزيرة، ثورة تحرير سوريا من الاستعمار. ربط الموحدين الدروز بالمشروع العدواني الإسرائيلي مهمة مستحيلة، ولن يُكتب لها النجاح على الإطلاق. فإسرائيل دولة مغتصبة، لا تستند إلى أي حق أو مشروعية، وفائض القوة الذي تمتلكه اليوم لا يعطيها مقومات الاستمرار. بينما الدروز فرقة إسلامية، كان لهم دور متقدم في الدفاع عن المنطقة العربية طيلة تاريخهم الذي يعود إلى أكثر من ألف عام. أما في الوقائع، فيبدو واضحاً تمسُّك المجتمع الدولي برمته بوحدة سوريا، بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية والأردن، كجارة جنوبية. وإسرائيل لا يمكن لها تجاوز هذه الوقائع، بصرف النظر عن الوهن الذي يصيب الدولة السورية اليوم، وهي تلملم نزيف جراحها الدامية التي أنهكتها على مدى 15 عاماً. واتفاقية خارطة الطريق التي وقعتها الحكومة السورية والحكومة الأردنية والولايات المتحدة الأميركية في أيلول/سبتمبر 2025، تبقى السبيل الأمثل لحل أزمة السويداء، من خلال تطبيق مندرجاتها التي تتضمن حفظ أمن وكرامة أهل المحافظة، وحقهم في المشاركة السياسية في إدارة الدولة، وتقديم المجرمين إلى المحاكمة، والتعويض عن الخسائر البشرية والمادية، وإجراء مصالحة بين أبن