على الرغم من مرور نصف قرن على اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، لا تزال تُرخي بظلالها الثقيلة على الأدب، فيصدر، بين حين وآخر، أثر أدبي يعكس تلك الظلال، ويرصد تداعياتها على البشر والحجر. ولعلّ رواية "نادي نساء الحرب" للكاتبة اللبنانية هالة كوثراني، الصادرة عن نوفل / هاشيت أنطوان، هي آخر ما صدر في هذا الإطار. تدور أحداث الرواية في بيروت، خلال الأيام الثلاثة الأولى من حزيران 2025، وتتمحور حول ثلاث نساء، عشن الحرب عن كثب، وكانت لها تداعياتها، المباشرة وغير المباشرة، عليهن. والمفارق أنّه على اختلاف النساء الثلاث فيما بينهن، وتقطّع السبل بهن، لم تستطع الحرب أن تدمّر علاقة الصداقة بينهنّ، إلى حدّ أنهنّ كنّ، في زمن مضى، أكثر من شقيقات. وهي علاقة بدأت في مرحلة الصبا، على مقاعد الدراسة، واستمرّت إلى مرحلة الشيخوخة، وقد لازمت كلٌّ منهنّ بيتها. وراحت تتمظهر في مغامرات مشتركة، ولقاءات دورية، واتصالات هاتفية، ورسائل متبادلة، تعكس قوّة العلاقة وصحّة الصداقة، في زمن وَهَتْ فيه العلاقات، واعتلّت الصداقات، ما جعلنا إزاء فضاء روائي إنساني بامتياز. الصديقات الثلاث في الوقائع الروائية، المَعيشة والمُتذكَّرة، يجمع الصف الخامس الابتدائي في "مدرسة العائلة المقدّسة"، في حارة حريك، بين مريم وسما وجميلة، وتقوم علاقة زمالة بين التلميذات الثلاث، تنمو، على الزمن، وتتحوّل إلى صداقة. ولعلّ ما انخرطن فيه من مغامرات، وخضنه من تجارب، ولعبنه من أدوار، قد سرّعت في هذا التحوّل؛ فـالصديقات الثلاث بقيادة مريم، أكبرهنّ سناًّ وأكثرهنّ ميلاً إلى المشاغبة، كنّ يهربن من المدرسة، ويسرقن كتب زميلتهنّ ويبعنها مع كتبهنّ في مكتبة قريبة في حوض الولاية، ويشترين بثمنها سندويشات من "ملك الفلافل" في البربير وعصير كوكتيل من "السواش"، ويطرقن أبواب مدارس أخرى زاعمات أنّهنّ يبحثن عن وظائف، ويستأجرن باصاً يُقِلّهنّ إلى بحمدون، ويعدن قبل انتهاء الدوام المدرسي لاستقلال باص المدرسة إلى بيوتهن. ولم يتورّعن عن طرق أبواب الشقق في الأشرفية لجمع التبرّعات للكفاح المسلّح، بموجب بطاقات مزيّفة. وهكذا، تعكس هذه الوقائع ميلاً مبكّراً إلى التمرّد، ونزوعاً قوياًّ نحو الاستقلالية، ورغبة عارمة في المغامرة، لدى الصديقات الثلاث. وهو ما يتناسب مع ولوجهنّ مرحلة المراهقة المبكّرة. تداعيات الحربحين تندلع الحرب ستطيح بهذا الزمن الذهبي إلى غير رجعة، وستكون لها تداعياتها، المباشرة وغير المباشرة، على كلٍّ منهن؛ فمريم، المولودة في بنت جبيل لأب فلسطيني وأمٍّ لبنانين، تقع ضحية أستاذ يُغرّر بها، خلال تقديمها امتحانات الشهادة المتوسّطة، فتفرّ معه دون علم والديها، ويتزوّجان بموجب عقد ينظّمه شيخ، حتى إذا ما حملت خارج الرحم، وخضعت لعملية إجهاض في عيادة بائسة، يتخلّى عنها الزوج المزعوم، فتعود خائبة إلى أهلها بأمومة ناقصة وخيبة كبيرة، ولا تجد في مواجهة هذه الوقائع القاسية سوى السخرية تلوذ بها، فتسمّي نفسها بـ "المطلّقة الصغيرة"، وتعود إلى المدرسة بعد توسّط بعضهم لها. وفي مرحلة لاحقة تسافر إلى نيجيريا وتعاني النفي، حتى إذا ما عادت بما يحفظها في آخرتها من المال، يسطو المصرف على ما عادت به، في واحدة من أخطر آثار الحرب المتمادية. وجميلة المتحدّرة من عائلة مسيحية في حارة حريك، تقع تحت وطأة الحرب وتداعياتها القاسية؛ فيُخطَف أخوها جاد ابن التاسعة عشرة الذي يضجّ بالحياة، ليفقد بعدها أيّ رغبة في الحياة ويلازم غرفته طيلة سبعة وأربعين عاماً، ويُقتَل زوج شقيقتها في حديقة المنزل، وتُفجّر سيارتها، وتُجبَر أسرتها على بيع شقّتها في الحارة بثمن بخس، يُحدّده السمسار والميليشيوي بالتواطؤ فيما بينهما، وتتهجّر الأسرة إلى بيت آخر عند أطراف بعبدا. أمّا سما فلعلّها الأقل تأثّراً بالحرب وتداعياتها، ذلك أنّها تُصاب بالهلع لدى سماعها نبأ اغتيال رئيس الجامعة التي تُدرّس فيها، وتنقطع عن التدريس، وتلوي رجلها خلال انفجار في بيروت بعد أن وضعت الحرب أوزارها، ويتكسّر زجاج مطبخها. على أنّ مواجهة هذه التداعيات تختلف من صديقة إلى أخرى، تبعاً لاختلاف الشخصية؛ ففي حين تلجأ مريم إلى السخرية والمشاغبة وسلاطة لسان تقول الحقيقة بصدق جارح وصراحة مؤلمة، تكتفي جميلة بالتأقلم مع الوقائع القاسية، والانقطاع إلى وظيفتها، ولا تحقد على الحياة، حتى بعد خطف أخيها، وتحرص على رؤية الجانب المليء من الكأس، وتنخرط سما في الدراسة الجامعية، وتُتوّجها بالحصول على شهادة الدكتوراه. وهكذا، تتنوّع أساليب المواجهة بين رفض الواقع الشخصي لدى مريم، والتسليم به لدى جميلة، والسعي إلى تغييره لدى سما. مياه كثيرةإزاء هذه الوقائع، تجري مياه كثيرة تحت جسر الأحداث؛ فتهاجر مريم إلى أفريقيا للعمل وجني المال/ وتعود في العام 1988 لتقيم في شقة في برج أبي حيدر، تعاقر فيها وحدة قاسية لم يخفّف منها سوى