على حدود جرف قاري، ينقسم البحر المتوسط إلى شطري نزاع، ليضيف إلى أزمات ضفافه أزمة جديدة تهدد بتداعيات جيوسياسية. مركز الأزمة ليبيا، أما تبعاتها فتطاول العلاقات بين تركيا ومصر، التي استعادت أخيراً طابعها الاستراتيجي. فقد جاء الاتفاق الليبي الداخلي، بعد طول انقسام، ليفتح أمام البرلمان طريق التصديق على الاتفاقية البحرية التي عقدتها الحكومة الليبية المعترف بها دولياً في طرابلس الغرب مع تركيا عام 2019، والتي واجهت اعتراض القيادة الليبية شرقي البلاد، بقيادة المشير خليفة حفتر. ومنذ الإعلان عن اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا، رافقته اعتراضات من اليونان وقبرص وإسرائيل والاتحاد الأوروبي، ومعهم مصر، على اعتبار أنه لا يحترم اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982. وتجدّد الرفض عقب إقرار مجلس النواب الليبي الاتفاق، وسارعت الخارجية المصرية إلى التنديد به، معتبرة أنه يشكّل "مساساً واضحاً بالحقوق السيادية المصرية في منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري". أما في ليبيا، فقد التقى طرفا الانقسام في الغرب والشرق على اعتبار الاتفاقية أداة لحماية المصالح الاقتصادية والسيادة الليبية. وعلى هامش اجتماعات الآلية الرباعية التي تضم تركيا ومصر والسعودية وباكستان، إلى جانب ثلاث دول أوروبية هي بريطانيا وفرنسا وألمانيا، أعاد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي التأكيد من إسطنبول على "أهمية احترام مبادئ القانون الدولي للبحار وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 فيما يتعلق بتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، وفقاً لمبادئ العدل والإنصاف بين الدول". وشدّد أمام نظيره التركي هاكان فيدان على موقف مصر "الداعم لوحدة ليبيا وسيادتها وسلامة أراضيها واستقرارها ودعم مؤسسات الدولة الليبية". وكان فيدان قد سبق ذلك بالقول إن بلاده "تعرف أسباب اعتراض بعض الدول"، واضعاً بعضها في إطار الاعتراض من أجل الاعتراض، فيما تعترض دول أخرى لأسباب "استراتيجية حقيقية". لكنه مضى مؤكداً أن الاتفاقية شرعية بالكامل من الناحيتين القانونية والسياسية، و"لا داعي لمناقشة ذلك". يربط الخبير الاستراتيجي والعسكري اللواء المتقاعد في الجيش المصري أسامة الجمال، هذه القضية "بإمكانات استكشاف الغاز الطبيعي والموارد البحرية في شرق المتوسط، وبالحقوق التي تترتب على تحديد المناطق البحرية". ويوضح لـ"النهار" أن أي محاولة لفرض "واقع يتعارض مع المطالب المصرية قد تثير نزاعات مستقبلية بشأن أنشطة الاستكشاف والاستغلال، وتزيد من حالة عدم اليقين التي تؤثر في حسابات الاستثمار والتعاون في مجال الطاقة". ويشير الجمال إلى البعد الاستراتيجي للمسألة، التي تتجاوز الموارد الاقتصادية إلى "طبيعة التوازنات الإقليمية"، موضحاً أن البحر المتوسط يمثل "مجالاً حيوياً للأمن القومي المصري، كما أن ليبيا ترتبط بالأمن المصري ارتباطاً مباشراً بحكم الجغرافيا والحدود والمصالح المشتركة". على الجهة التركية، يختلف الرأي لدى الباحث في مركز "سيتا" للدراسات الأستاذ المشارك مراد أصلان. فالاتفاقية وقّعتها الحكومة الليبية ووافق عليها مجلس النواب، رغم أن الطرفين يقفان على طرفي نقيض في الصراع على السلطة، "وهذا يعني أن الاتفاقية تتمتع بالشرعية والمشروعية القانونية"، وفق ما يؤكد لـ"النهار". ويتساءل أصلان عن سبب إحجام مصر عن توقيع اتفاق مع تركيا وليبيا لتوسيع منطقتها الاقتصادية الخالصة، ولا سيما أن هذه المناطق غنية بالموارد الطبيعية. ويقول: "إذا استمرت مصر في التمسك بالاتفاقية القائمة فإنها تتنازل عن ثلث منطقتها الاقتصادية الخالصة لصالح اليونان والقبارصة اليونانيين، في الوقت الذي تستبعد فيه خيارات التعاون مع ليبيا وتركيا". سفينة الأبحاث التركية عروج ريس قبالة أنطاليا، 12 آب/أغسطس 2020. (أ ب) في عام 1925، تولّت السلطات البريطانية في مصر والإيطالية في ليبيا ترسيم الحدود البرية بين الدولتين نيابة عنهما، وهي تمتد لأكثر من 1100 كيلومتر. أما الحدود البحرية، فبقيت من دون ترسيم متفق عليه، ولم تنجح محاولات الدولتين بعد الاستقلال في حسمها، إلى أن أعلنت مصر عام 2022 ترسيم حدودها البحرية الغربية، بناءً على إحداثيات فنية أودعتها رسمياً لدى الأمم المتحدة. لكن الخطوة بقيت من طرف واحد، ومع اكتشافات الغاز الضخمة في شرق المتوسط، اتسع الخلاف ليأخذ أبعاداً جيوسياسية واقتصادية. وفي العلاقة بين تركيا ومصر، بقي هذا الملف الخلافي قائماً رغم التقارب خلال السنوات القليلة الماضية، وصولاً إلى توقيع اتفاقية تعاون عسكري في شباط/فبراير الماضي، بعد خلافات تعمّقت عام 2013 عقب عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي. وهو خلاف يندرج ضمن الصراع على النفوذ في شرق المتوسط وملف الطاقة، وأعاده تصديق البرلمان الليبي إلى الواجهة. في هذا السياق، يعتبر ا