ماذا لو أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على إخبارك بعدد السنوات المتبقية من حياتك؟ وهل ترغب فعلاً في معرفة الإجابة؟ سؤال يخرج تدريجياً من نطاق الخيال العلمي إلى واقع الأبحاث الطبية، مع تطور نماذج قادرة على تحليل المعلومات الصحية والشخصية وتقدير احتمالات البقاء على قيد الحياة بدقة متزايدة. في مقال نشرته مجلة "ذا أتلانتيك" الأميركية، يطرح الصحافي جويل آخنباخ هذه المعضلة من خلال تجربته الشخصية مع التقدم في العمر، بعدما بلغ هو وزوجته ماري سن 65 عاماً، وبدأ يواجه أسئلة لم تكن تشغله سابقاً بشأن الشيخوخة والأمراض والتراجع الإدراكي والموت. ويروي آخنباخ أن مستشاره المالي سأله قبل 8 سنوات عن العمر الذي يتوقع أن يبلغه، باعتبار أن متوسط العمر المتوقع عامل أساسي في التخطيط للتقاعد، ولا سيما عند اتخاذ قرار تأجيل الحصول على مستحقات الضمان الاجتماعي الأميركي. آنذاك، وضع المستشار خطة مالية تفترض وفاته في سن 80 عاماً، لكن هذا الرقم بدأ يثير قلقه، ما دفعه أخيراً إلى طلب تمديد عمره المفترض في الحسابات المالية. وتعمّقت هذه الهواجس عندما قرر مع زوجته إعداد وصيتهما وترتيبات إدارة التركة والرعاية الطبية في نهاية الحياة. فقد اضطر الاثنان إلى اتخاذ قرارات مسبقة بشأن حالات صحية شديدة التعقيد، بينها الإصابة بمرض عضال يؤدي إلى الاعتماد الجسدي الكامل على الآخرين، أو اقتراب الوفاة رغم استخدام أجهزة دعم الحياة، أو الدخول في حالة إنباتية دائمة من دون توقع طبي معقول لاستعادة الوعي. لكن التحول الأبرز جاء مع طبيبته الجديدة، التي أخضعته لفحوص إضافية ووصفت له أدوية جديدة، ما أدى إلى تراكم التشخيصات والملاحظات الطبية على ملفه الإلكتروني. ويشير الكاتب إلى أن التقدم في العمر لم يعد يُقاس بعدد السنوات فقط، بل بعشرات المؤشرات الصحية، من ضغط الدم ومعدل ضربات القلب إلى الكوليسترول والسكر ووظائف الكبد والكلى ومؤشرات الالتهاب. وأمام هذا الكم من البيانات، لجأ إلى برنامج الذكاء الاصطناعي "كلود" التابع لشركة "أنثروبيك"، طالباً تفسير نتائج فحص للقلب أظهر أن نسبة ضخ الدم في البطين الأيسر تراوحت بين 65% و70%، مع تضخم طفيف في عضلة القلب واضطراب بسيط في ارتخائها، إضافة إلى تسربات ضئيلة في بعض الصمامات. وجاءه الرد مطمئناً، إذ أوضح البرنامج أن قلبه يضخ الدم بصورة طبيعية وقوية، وأن التغيرات المسجلة طفيفة وشائعة مع التقدم في السن، ولا تشير بحد ذاتها أو مجتمعة إلى قصور في القلب أو مرض خطير في الصمامات يستدعي علاجاً عاجلاً. غير أن الكاتب يلفت إلى مفارقة مهمة: فالذكاء الاصطناعي قد يوفر إجابات مطمئنة، لكنه قد يتحول أيضاً إلى مصدر دائم للقلق الصحي، خصوصاً لدى الأشخاص الذين يميلون إلى مراقبة كل تغير في أجسادهم. ويستشهد بتجربة الكاتب روبرت رايت، الذي استشار "كلود" بشأن نتائج فحوص أحد أقاربه، فنصحه بالتوجه فوراً إلى قسم الطوارئ. لكن برنامج "جيميناي" التابع لغوغل قدّم تقييماً مختلفاً، معتبراً أن الوضع لا يستدعي الذعر. وتبيّن لاحقاً أن تقييم "جيميناي" كان صحيحاً، فيما ساعد "تشات جي بي تي" على تفسير سبب الاختلاف، مشيراً إلى أن إحدى القيم المخبرية المثيرة للقلق لا بد أنها كانت خاطئة بالنظر إلى بقية النتائج. وتكشف هذه الواقعة إحدى أبرز مشكلات استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الطبي: فالنماذج المختلفة قد تقدم استنتاجات متناقضة انطلاقاً من المعلومات نفسها، ما يجعل الاعتماد عليها من دون تقييم طبي متخصص أمراً محفوفاً بالمخاطر. لكن المسألة الأكثر إثارة تتعلق بقدرة هذه الأنظمة على توقع العمر المتبقي للإنسان. فبحسب الكاتب، توفر إدارة الضمان الاجتماعي الأميركية تقديرات للعمر المتوقع استناداً إلى عاملين فقط، هما الجنس وتاريخ الولادة. وبالنسبة إلى رجل من مواليده، تشير الحسابات إلى متوسط عمر متبقٍ يبلغ 18.7 سنة، أي إلى عمر يقارب 84.5 عاماً، ما يضع موعد الوفاة الإحصائي المتوقع حول تموز 2045. إلا أن تطور الذكاء الاصطناعي يفتح الباب أمام تقديرات أكثر تخصيصاً، من خلال تحليل التاريخ المرضي والنتائج المخبرية والمؤشرات الحيوية، ومقارنتها بمجموعات ضخمة من البيانات الصحية. ويشير تقرير "ذا أتلانتيك" إلى دراسة علمية نُشرت في مجلة تابعة لمجموعة "ذا لانسيت"، تناولت نموذجاً يستطيع توقع فرص بقاء مرضى السرطان على قيد الحياة اعتماداً على صورة فوتوغرافية واحدة. كما سبق أن أثارت نماذج أخرى لتوقع الوفاة، بينها أنظمة تعتمد على التعلم الآلي وتحليل البيانات الشخصية، اهتماماً إعلامياً واسعاً. ومع ذلك، يشدد الكاتب على أن هذه التوقعات تظل تقديرات احتمالية مستندة إلى البيانات، وليست معرفة مؤكدة بموعد وفاة شخص بعينه. وهنا تبرز معضلة تتجاوز الطب والتكنولوجيا إلى الخصوصية والحقوق الفردية. فإذا جمع أحد برامج الذكاء الاصطن