من حكاية شعبية تناقلتها الأجيال إلى عرض مسرحي بفنّ خيال الظلّ، يستعيد راشد بشنّاتي جزءاً من ذاكرة طرابلس، بمشاركة زوجته وطفليهما، في محاولة لسرد حكاية المدينة بعيداً من الصور النمطية. في ذاكرة طرابلس، شمال لبنان، حكايات لم تجد طريقها إلى الكتب، وأخرى كادت تختفي مع الأجيال التي تناقلتها شفهياً. من بينها أسطورة "حيّة نهر أبو علي"، التي تتحدّث عن حيّة ضخمة تخرج رأسها من أحد السراديب لتشرب من النهر. حكاية غريبة ارتبطت بقلعة طرابلس وسراديبها، ووجدت طريقها اليوم إلى المسرح، في محاولة لإحياء جانب من التراث الشعبي للمدينة. سمع المخرج والفنان المسرحي راشد بشنّاتي هذه الحكاية في طفولته من أحد أصدقائه، الذي نقلها بدوره عن أحد أخواله. ومع تراجع معرفة الأجيال الجديدة بهذه الرواية الشعبية، قرّر تحويلها إلى عمل مسرحي يعيدها إلى الذاكرة، مستعيناً بفنّ خيال الظلّ، الذي يتيح للشخصيات أن تتحرّك خلف الشاشة، وتروي حكاياتها بالضوء والظلال. اختيار خيال الظلّ لم يكن مصادفة. فبشنّاتي يرى أنّ طرابلس ارتبطت تاريخياً بهذا الفنّ، الذي تراجع حضوره في المدينة، ويريد من خلال العرض إعادة تقديمه إلى جمهور جديد، بالتوازي مع استعادة حكاية شعبية تحمل في تفاصيلها إشارات إلى تاريخ المدينة وذاكرتها. لكن تحويل الأسطورة إلى عرض مسرحي تطلّب أكثر من إعادة سردها. فقد انطلق العمل من البحث في تاريخ طرابلس، وتحديداً الحقبة الفاطمية قبيل الاجتياح الإفرنجي، إلى جانب دراسة تفاصيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية، والملابس والموسيقى والعمارة. والهدف بناء عالم مسرحي يمزج الشخصيات المتخيّلة بالخلفية التاريخية، من دون أن يفقد صلته بالمكان الذي نشأت فيه الحكاية. صورة من عرض حيّة نهر أبو علي (جلنار عكاري) من أسطورة حيّة نهر أبو علي إلى خشبة المسرح في عرض "حيّة نهر أبو علي"، لا يقتصر الأمر على تقديم أسطورة قديمة، بل يتعدّاه إلى فتح نافذة على مرحلة من تاريخ طرابلس وشخصياتها. ويأمل بشنّاتي أن يدفع العمل الجمهور إلى البحث في تاريخ مدينته، والتعرّف إلى شخصيات تاريخية قد لا تحظى بحضور كافٍ في الذاكرة العامة. بهذا المعنى، لا يقدّم العرض الحكاية الشعبية باعتبارها بديلاً من التاريخ، بل مدخلاً إلى اكتشافه، عبر مساحة يلتقي فيها الخيال بالمعرفة، وتتحوّل فيها الذاكرة الشفهية إلى تجربة فنية حيّة. أما التحدّي، فلم يكن في البحث والكتابة وحدهما. يضمّ العرض نحو 28 شخصية ودمية، تتحرّك ظلالها خلف الشاشة ضمن مشاهد تتطلّب تنسيقاً دقيقاً بين تحريك الدمى والأداء الصوتي والإضاءة والمؤثرات والموسيقى. وكان فهم تقنيات خيال الظلّ وتطبيقها عملياً من أبرز الصعوبات التي واجهت بشنّاتي. وساعده المشرف الفني الدكتور وليد دكروب بخبرته في تحويل الرسوم والأفكار إلى شخصيات قابلة للحركة على الشاشة. وتتولّى ثراء قبطان، زوجة بشنّاتي وشريكته في التجربة، تنفيذ الديكورات والمؤثرات البصرية، إلى جانب أداء أصوات شخصيتين ورقمنة التصاميم وتوثيقها. أما الموسيقى التي وضعها بلال عبد الفتاح، فتؤدي دوراً يتجاوز مرافقة المشاهد، إذ تسهم في تحديد إيقاعها وبناء هويات موسيقية للشخصيات، ونقل الجمهور بين محطات الحكاية. راشد بشنّاتي وثراء قبطان وطفليهما (جلنار عكاري) عائلة من طرابلس تحرّك شخصيات الحكاية لا تقف المشاركة العائلية عند حدود التعاون بين بشنّاتي وقبطان، بل تمتدّ إلى طفليهما ماريا والحسن، اللذين شاركا في تحريك الدمى وتبديل الخلفيات وتنفيذ بعض المؤثرات. وجاءت مشاركتهما بمبادرة منهما، بعدما أثارت الحكاية فضولهما ودفعتهما إلى تجربة التحريك ورسم بعض الشخصيات. لكن التجربة لم تكن سهلة، خصوصاً مع ضرورة التوفيق بين التدريبات والدراسة، والتعامل مع مشاهد المعارك والرقصات التي تتطلّب تنسيقاً بين محرّكي الدمى والمؤدّين الصوتيين والإضاءة. وتحدّثت ماريا، البالغة نحو 14 عاماً، عن هذه التحدّيات، فيما استعاد الحسن، البالغ 12 عاماً، حماسته للتحكّم بالدخان والمؤثرات، واللحظات التي شعر فيها بأنّ ضحك الجمهور وتفاعله نتيجة مباشرة لمشاركته. وتتجاوز هذه المشاركة الجانب العائلي، لتصبح تجربة عملية في نقل التراث بين الأجيال. فالطفلان لم يتعرّفا إلى أسطورة حيّة نهر أبو علي من خلال مشاهدتها فحسب، بل شاركا في إعادة تشكيلها، وتعلّما جوانب من تاريخ مدينتهما خلال التحضيرات والبحث والنقاشات التي رافقت العمل. وترى ثراء قبطان أنّ تقديم أعمال فنّية عن طرابلس من وجهة نظر أبنائها يرتبط بالإيمان بأنّ المدينة، على الرغم من التحدّيات التي تواجهها، تمتلك إمكانيات إبداعية وثقافية تستحق أن تصل إلى الجمهور. وتقول: "الحرب على لبنان جعلتنا نفكّر في أهمية سرد قصصنا، والحفاظ عليها، والمساهمة، ولو بجزء بسيط، في حفظ ذاكرة المدينة والبلد واللغة التي نخاف أن تندثر، ونحن فخ