بعد مرور 48 عامًا على تغييب الإمام موسى الصدر ورفيقيه، الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين، من دون كشف مصيرهم، عادت القضية إلى الواجهة مع ظهور وثيقة جديدة تحمل معطيات يُعتقد أنها قد تفتح مسارًا مختلفًا في التحقيقات. وتشير الوثيقة، للمرة الأولى، إلى احتمال احتجاز الإمام الصدر، خلال إحدى مراحل تغييبه، داخل معتقل سياسي سرّي كان تابعًا لعبدالله السنوسي، أحد أبرز أركان نظام معمر القذافي والرئيس السابق لجهاز الاستخبارات العسكرية الليبية. ويقضي السنوسي عقوبة بالسجن في ليبيا منذ عام 2012، إلا أن الملف الذي تسلّمه الجانب اللبناني لا يتضمن، وفق المعطيات المتوافرة، ما يثبت خضوعه لتحقيق ليبي جدي وكافٍ بشأن قضية تغييب الإمام الصدر ورفيقيه. وفي هذا السياق، أكد مقرر لجنة المتابعة الرسمية لقضية الإمام الصدر ورفيقيه القاضي حسن الشامي، "أن الوثيقة الجديدة تتمتع بدرجة عالية من الواقعية، وأن اللجنة زارت العراق قبل نحو أسبوعين في محاولة للحصول عليها والتدقيق بصورة أوسع في مضمونها". وأوضح، "أن اللجنة ترجّح منذ فترة أن الإمام الصدر نُقل بين عدد من المعتقلات، بينها سجون سرية تابعة للنظام الليبي السابق"، لافتًا إلى "أن نظام القذافي، على غرار الأنظمة الديكتاتورية، اعتمد مقار اعتقال سياسية سرية لا تشبه السجون العادية ولا تخضع للرقابة التقليدية". وشدّد الشامي على "أن عبدالله السنوسي يبقى المسؤول الأبرز في هذا الملف"، معتبرًا إياه "المتهم الأول في تدبير جريمة خطف الإمام الصدر ورفيقيه"، بالنظر إلى موقعه الأمني الرفيع ودوره المحوري داخل منظومة النظام السابق. وأشار إلى "أن المعلومة الواردة في الوثيقة لم تظهر من فراغ، بل تتقاطع مع معطيات سابقة كانت بحوزة اللجنة"، مؤكدًا "أن الوثيقة عززت فرضية تنقّل الإمام الصدر بين أكثر من معتقل سرّي خلال سنوات احتجازه". ورأى أن "الرواية الأقرب إلى الواقع هي بقاء الإمام الصدر حيًا لفترة بعد خطفه ونقله بين عدد من السجون"، معتبرًا أن الروايات المخالفة استُخدمت، على مدى سنوات، لتضليل التحقيق وإبعاد الأنظار عن المسار الحقيقي للقضية. وتعيد هذه المعطيات تسليط الضوء على الدور المحتمل للمعتقلات السياسية السرية التابعة للنظام الليبي السابق، وعلى ضرورة إخضاع السنوسي لتحقيق موسّع ومباشر، ولا سيما أن موقعه الأمني آنذاك يجعله شاهدًا أساسيًا ومتهمًا رئيسيًا في واحدة من أكثر القضايا غموضًا في تاريخ لبنان الحديث. وبين وثيقة جديدة وأسئلة قديمة لم تُحسم، يبقى مصير الإمام الصدر ورفيقيه معلّقًا بانتظار تعاون ليبي جدي يكشف سجلات المعتقلات السرية ويحدد المسؤوليات، بعيدًا من الروايات المتناقضة التي أحاطت بالقضية طوال 48 عامًا.