لم يبدأ بعد صرف قرض الـ150 مليون دولار من البنك الدولي المخصص للتحول الرقمي في لبنان، ، لكن النقاش حول إدارته وتوزيعه بدأ قبل وصوله إلى مرحلة التنفيذ، بالتوازي مع تداخل في الصلاحيات بين وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية ووزارة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية فادي مكي أوضح، خلال ندوة نظمتها "سمكس" بعنوان "التحول الرقمي في لبنان: من التشريع إلى التنفيذ"، أن توزيع الصلاحيات لم يكن واضحاً بالكامل عند تشكيل الحكومة، ما أدى إلى إسناد بعض الملفات إلى وزارة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. ولا يزال النقاش قائماً حول توزيع الأدوار بين الجهات المعنية. توزيع المبلغ قابل للتغييرالقرض مخصص لمشروع تسريع التحول الرقمي في لبنان، ويشمل تمويل البنية الرقمية للدولة، واستضافة البيانات والأمن السيبراني، وتطوير منصات حكومية مترابطة، وتحويل مزيد من الخدمات العامة إلى خدمات رقمية، إلى جانب تطوير البيئة القانونية والقدرات اللازمة لهذا الانتقال. وفق توزيع البنك الدولي، خُصص من القرض 35 مليون دولار لاستضافة البيانات، و17.5 مليوناً للأمن السيبراني، و12 مليوناً للبيئة التمكينية وبناء القدرات والمهارات، و68 مليوناً للمنصات الرقمية المترابطة، إضافة إلى 10 ملايين للخدمات و7.5 ملايين لإدارة المشروع والمشاركة. لكن هذه الأرقام ليست نهائية، إذ أشار مكي خلال الندوة، إلى أن المشروع لا يزال ضمن الاتفاق الأولي، والتوزيع قابل لإعادة الهيكلة والتعديل في المراحل المقبلة. كما أن القرض لم يدخل مرحلة التنفيذ بعد، ولا يزال أمامه مسار تشريعي، فيما تخضع عملية الصرف لإجراءات البنك الدولي التي وصفها مكي بأنها طويلة ومعقدة. ووجود 150 مليون دولار مخصصة للتحول الرقمي بالتزامن مع إنشاء وزارة دولة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، فتح نقاشاً داخل القطاع حول العلاقة بين الأمرين. وأشار مكي داخل الجلسة إلى أن القرض ليس مخصصاً لوزارة التنمية الإدارية ولا لوزارة بعينها، بل يُدار ضمن لجنة وزارية برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء طارق متري، وبمشاركة الوزراء المعنيين. في المقابل، لم تُحسم بعد الصورة النهائية لتوزيع المبلغ. وفي سؤال وجّهه محاور الجلسة مهدي كريّم من "سميكس" حول الجهة التي ستشرف على صرف الأموال، وما إذا كانت ستُصرف لتمويل البنية الرقمية للدولة، أجاب مكي أن رقابة البنك الدولي في مقدمة الضمانات لعدم خروج الأموال عن الغاية المخصصة لها. لكن الرقابة المالية لا تحسم وحدها ملف الحوكمة، خصوصاً أن تنفيذ المشروع سيحتاج إلى تعاقدات واستشارات وخبرات وتعيينات لإدارته.وعند سؤاله عن الإصلاح، أجاب الدكتور فادي مكي بأنّ "الإصلاح يرتكز على ثلاث ركائز: مراجعة الحوكمة وإدارة القوى العاملة والتحول الرقمي، ومضيفاً "أنّ التحول الرقمي سيعزز الإنتاجية ويحد من الفساد". وقالت النائبة اللبنانية، حليمة قعقور، في الجلسة، إنّه "في ظلّ العمل السياسي العشوائي الذي يطبع المشهد في لبنان، أصبح ضرورياً أن تُبنى المؤسسات بوعي استراتيجي بحيث يندمج الذكاء الاصطناعي ضمن الهيكلية الوزارية لا أن يعمل بمعزل عنها. والأهم من ذلك، في معركة التصدي للعدوان على لبنان، أن ندرك تماماً أنّ أهم قدرة للدولة اللبنانية للمقاومة هي من خلال الأمن السيبراني، مما يحتم إعطاء حماية البيانات والأمن السيبراني الأولوية القصوى والاهتمام الأكبر". غير أن التمويل الدولي والتكنولوجيا المتاحة لا تعنيان بالضرورة أن الدولة أصبحت جاهزة للتحول الرقمي. وفي هذا الإطار يقول وسيم منصور، خبير الاتصالات والمدير العام السابق لشركة "تاتش" في حديثٍ لـ"المدن"، إن "التكنولوجيا ليست سوى جزءاً صغيراً من تطوير البنية التحتية والقطاع، فيما تبدأ المشكلة الفعلية من الإطار القانوني والحوكمة". ويحاول لبنان الانتقال إلى التحول الرقمي والهوية الرقمية، فيما لا تزال لديه قوانين لا تواكب التطور الذي وصل إليه القطاع، ويختصر منصوري المشكلة بالقول: "إذا لم تكن السبل الأساسية للتطور موجودة، فلن نستطيع الوصول إلى حل". وتظهر هذه الفجوة أيضاً في قطاع الاتصالات نفسه. فمن الصعب، حسب منصور، بناء قطاع حديث ومرن في ظل وجود شبكات غير شرعية، أو تطوير خدمات رقمية من دون إطار قانوني حديث ومبادئ حوكمة تجعل هذا التحول مستداماً. ومن هنا أيضاً يأتي دور المراكز البحثية في تحديد ما تحتاج إليه الدولة فعلاً قبل إنفاق الأموال على التكنولوجيا، وهو أمر يقع في صلب ما تحدث عنه الدكتور ناصر ياسين، المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الندوة. ويقول في حديثٍ لـ"المدن" إن "مساهمة المرجعيات العلمية تبدأ من تحديد أولويات المجتمع، ثم نقل التجارب الناجحة إلى لبنان وتقييم المشاريع ومدى قدرتها على خلق قيمة عامة للناس". ويشير ياسين إلى أن المركز بدأ ال