يدخل الإسرائيليون الانتخابات البرلمانية المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر في مواجهة مفارقة اقتصادية: مؤشرات النمو تتعافى، لكن هذا التعافي لا يمحو فاتورة حرب تسددها الأسر والشركات والخزينة العامة. وبين اقتصاد يحتفظ بقدرة على جذب الاستثمارات وتصدير التكنولوجيا، ومجتمع يواجه غلاء المعيشة وأعباء الخدمة العسكرية والضرائب، تتشكل إحدى أهم معارك بنيامين نتنياهو الانتخابية: هل تكفي القدرة على مواصلة الحرب لإقناع الناخبين، أم باتوا يبحثون عمّن يستطيع خفض كلفتها؟ في توقعاته الصادرة في تموز/يوليو، رجّح بنك إسرائيل نمو الاقتصاد الإسرائيلي 4% في 2026 و5.5% في 2027، لكنه أشار إلى أن الناتج سيبقى دون المسار الذي كان يُنتظر بلوغه قبل الحرب، بسبب قيود العمالة واستمرار أعباء الاحتياط وخروج بعض المتضررين من سوق العمل وصافي الهجرة السلبي. وأكد البنك نفسه أن هذه توقعات مشروطة بالبيئة الأمنية، وليست نتائج محققة. إن ارتفاع الإنتاج بعد تعطّل المصانع والأعمال لا يعني استعادة الدخل والاستثمار اللذين فُقدا. ويدخل الإنفاق العسكري في حساب النشاط الاقتصادي، لكنه لا ينعكس على رفاه الأسر كما ينعكس بناء مساكن أو تحسين النقل والخدمات. لذلك، يستطيع نتنياهو تقديم التعافي دليلاً على صمود الاقتصاد تحت قيادته، فيما تستطيع المعارضة طرح سؤال مختلف: كم كان يمكن للإسرائيليين أن ينتجوا ويكسبوا لو لم تتحول الحرب والاستنفار إلى عبء دائم؟ الخزينة تدفع اليوم... والإسرائيلي يدفع لاحقاً في تقرير نشرته "تايمز أوف إسرائيل" في 17 الجاري، بلغ الإنفاق الدفاعي 8% من الناتج المحلي (ضعف مستواه قبل حرب غزة)، وارتفع الدين العام من 60% من الناتج في 2022 إلى نحو 70%. هذه النسب لا تعني عجز الدولة عن التمويل، لكنها تكشف اتساع الحصة التي تستهلكها الحرب من موارد الاقتصاد. يشدد الخبير الاقتصادي سيف قدورة، في حديث لـ "النهار"، على ضرورة التفريق بين أمرين: "قدرة الدولة على تمويل الحرب، وقدرتها على تحمّل التكلفة الاقتصادية للحرب على المدى الطويل". فارتفاع الإنفاق الدفاعي لا يعني أن إسرائيل أصبحت عاجزة عن التمويل، فهي لا تزال تمتلك اقتصاداً متقدماً، وقطاعاً تكنولوجياً قوياً، واحتياطيات كبيرة من النقد الأجنبي، إضافة إلى القدرة على الاقتراض من الأسواق المالية، "لكن المشكلة الحقيقية تكمن في أن هذا الإنفاق أصبح يستهلك حصة أكبر كثيراً من موارد الاقتصاد". بلغ الإنفاق الدفاعي 8% من الناتج المحلي (ضعف مستواه قبل حرب غزة)، وارتفع الدين العام من 60% من الناتج في 2022 إلى نحو 70% يضيف قدورة: "إننا نتحدث عن تضاعف العبء العسكري مقارنة بحجم الاقتصاد، وعن موارد كان يمكن توجيهها إلى قطاعات إنتاجية مثل التعليم والصحة والبنية التحتية. أما ارتفاع الدين العام فيشير إلى أن الحكومة تعتمد بصورة أكبر على الاقتراض لتمويل نفقاتها. وبالتالي، فإن جزءاً متزايداً من الموازنات المستقبلية سيُخصص لخدمة هذه الديون بدلاً من تمويل الاستثمار والخدمات العامة، وهنا تظهر المشكلة من منظور اقتصادي". فالحرب لا ترفع الإنفاق الحكومي وحده، بل تؤثر أيضاً في الجانب الإنتاجي للاقتصاد، "واستدعاء جنود الاحتياط يسحب موظفين من سوق العمل، واستمرار حالة عدم اليقين يضغط على قرارات الاستثمار، بينما يؤدي ارتفاع الاقتراض إلى تضييق هامش المناورة المالية أمام الحكومة. ومع استمرار الإنفاق العسكري المرتفع، ستواجه الحكومة خيارات صعبة: إما زيادة الضرائب، أو تقليص الإنفاق المدني، أو الاستمرار في الاستدانة، ولهذه الخيارات كلها تكلفة اقتصادية واجتماعية". ويرى قدورة في هذا السياق أن الحكومة الإسرائيلية قد تنجح في تمويل الحرب مالياً، "لكن هذا لا يعني أنها تستطيع تجنّب تكلفتها الاقتصادية". لوحة إعلانية لحزب الليكود ممزقة جزئياً في جنوب تل أبيب. 20 أكتوبر 2026. (أ ف ب) بلغ التضخم السنوي 1.6% في أيلول/سبتمبر، فيما وصلت الفائدة الأساسية إلى 3.25% بعد سلسلة تخفيضات. تخفف هذه المؤشرات بعض الضغوط، لكنها لا تعني عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، ولا تزيل فوراً كلفة القروض والسكن. يشدد قدورة هنا إيضاح نقطة اقتصادية يختلط فهمها على كثيرين: "انخفاض التضخم لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار، فعندما نقول إن معدل التضخم السنوي في إسرائيل وصل إلى 1.6% في أيلول، فهذا يعني أن المستوى العام للأسعار أصبح أعلى بنحو 1.6% مما كان عليه قبل عام، وليس أن الأسعار عادت إلى مستوياتها السابقة". وبالفعل، سجل مؤشر أسعار المستهلك الإسرائيلي انخفاضاً شهرياً بنسبة 0.5% في أيلول نفسه، رغم بقائه مرتفعاً على أساس سنوي. أما وصول الفائدة الأساسية إلى 3.25% فيمثل تخفيفاً للضغوط النقدية، "لكنه لا يعني أن تكلفة الاقتراض ستنخفض فوراً وبالنسبة نفسها، لأن أسعار الفائدة التي يدفعها الأفراد على القروض ال