في عام 2017 أخرج إيلون ماسك من جيبه لعبة حمراء صغيرة وقدمها بوصفها الجيل الثاني من "رودستر": من صفر إلى نحو 100 كيلومتر في الساعة خلال 1.9 ثانية وسرعة تتجاوز 400 كيلومتر في الساعة ومدى يقارب ألف كيلومتر بالشحنة، على أن يبدأ الإنتاج في 2020. لكن رودستر لم تأت في موعدها ومرت ست سنوات أخرى. قبل أيام عادت السيارة إلى المسرح لا إلى خط الإنتاج وبشكل جديد يبتعد جمالياً عن نموذج "رودستر" الأصلي. وبحسب موقع الشركة هناك ثلاث فئات بينها نسخة Thrust بمحركات دفع غازية في الخلف ونسخة Rocket أحادية المقعد لاستخدامات خارج الطرق العامة. أما موعد الإنتاج فتحرك إلى 2028. ولأن صناعة سيارة كهربائية رياضية لم يعد كافياً لماسك، سأل نفسه: هل أجعلها تطير؟ المعلومات التقنية المنشورة عن العرض تتحدث عن خزان يقارب 200 لتر في نسخة Thrust يضاف إليه نحو 400 لتر في نسخة Rocket، أي نحو 600 لتر من الغاز المضغوط في النسخة القصوى. لكن زمن الدفع يقاس بالثواني والرقم الأكثر واقعية هو دفعة تقارب خمس ثوان لخزان Thrust، لا "سيارة طائرة" تستطيع تحويل السماء إلى طريق بديل. يمكنها أن تقفز وتنفذ حركات مبهرة أمام الكاميرات، لكن مبدأ الشفط الذي يزيد التماسك والدفع بالغاز البارد ليسا اختراعين جديدين، والجديد هو دمجهما في سيارة كهربائية. العرض مدهش، لكن السؤال الأكثر إلحاحاً من الانبهار هو: ما المشكلة التي يحلها؟ صناعة السيارات الكهربائية تتنافس اليوم على البطارية والسعر والوزن والكفاءة والشحن والتصنيع. وفي 2025 تجاوزت BYD "تسلا" في المبيعات السنوية للسيارات الكهربائية الكاملة. في عالم كهذا تبدو سيارة تستبدل مقعد الراكب بخزان ضغط شديد الخطورة كي تقفز لثوان أقرب إلى لعبة هندسية باهظة منها إلى إجابة عن تحديات النقل. مثال رودستر يجمع في جسم واحد ثلاثة أشياء تتكرر كثيراً في عالم ماسك: وعد مذهل وموعد قريب ثم مستقبل مؤجل لا يشبه الوعد الأصلي. المشكلة ليست أن أحلام ماسك كبيرة، فلو كانت هذه هي المشكلة لوجب الاعتراض على تاريخ التكنولوجيا نفسه. المشكلة أن هناك نمطاً يتكرر على شكل حلقة. في عينة من 23 وعداً كبيراً أعطيت مواعيد محددة، تحقق اثنان تقريباً ضمن الإطار المعلن وتسعة بعد تأخير، فيما بقيت ثمانية غير متحققة بصيغتها الأصلية بعد حلول موعدها وألغي اثنان ووصل واحد في صورة مختلفة جذرياً وبقي واحد معلقاً. والموضوع ليس شخصياً هنا. أنا لا أحب الرجل، لكن هذا ليس اختباراً لـ"نسبة صدق ماسك". العينة تظهر فقط أن التأخير عنده يقاس بالسنوات لا بالأشهر: صاروخ Falcon Heavy: إطلاق متوقع في 2013 وأول رحلة في 2018. سيارة Roadster: إنتاج في 2020 والموعد الآن 2028 بنسخة كاريكاتورية طائرة وشكل مختلف. شاحنة Tesla Semi: إنتاج واسع قرب 2019 وتسليمات محدودة منذ 2022. سيارة Robotaxi: أكثر من مليون سيارة متوقعة في 2020 ولم تظهر الشبكة بهذا الحجم ولا بما يقاربه. المريخ: شحن في 2022 وطاقم في 2024 ولم يحدث أي منهما. سيارة Cybertruck: إنتاج قرب 2021 وتسليمات بدأت أواخر 2023 بمواصفات وأسعار مختلفة. سيارة الـ25 ألف دولار: وعد في 2020 خلال ثلاث سنوات ولم تصل كمنتج قط. هذه ليست حالات من النوع نفسه، والفرق بينها مهم لكنه لا يمحو النمط، فالمستقبل عند ماسك قريب دائماً بما يكفي كي يبدو الانتظار منطقياً. في 2013 كان الكلام عن سيارات تستطيع قيادة 90 في المئة من المسافة خلال نحو ثلاث سنوات، ثم صار "الاستقلال الكامل" في 2015 على بعد نحو عامين وجاء بعدها وعد ماسك برحلة من لوس أنجلوس إلى نيويورك بلا لمس المقود قبل نهاية 2017. لم يحدث أي من ذلك. وفي 2018 عاد التصريح بأن الموعد قريب، بين ثلاثة وستة أشهر، ثم جاء في 2019 الوعد الأشهر بأن أكثر من مليون سيارة "تسلا" ستكون قادرة على العمل كروبوتاكسي في 2020. وكان لا بد من تدبيج الوعد بفكرة اقتصادية أجمل من الفكرة التقنية. السيارة لن تنام في المرآب وتخسر من قيمتها بل يرسلها صاحبها إلى شبكة "تسلا" حين لا يحتاج إليها فتعمل وتكسب المال كموظف ليلي. لكن المليون سيارة روبوتاكسي لم تظهر في 2020. والقصة لا تنتهي بعبارة "لم يحدث شيء". ففي 2026 كانت "تسلا" قد بدأت بالفعل خدمة روبوتاكسي محدودة جغرافياً في أوستن بولاية تكساس. أي أن التقنية وصلت إلى شيء حقيقي لكن بعد ست سنوات من الموعد الذي كان يفترض أن يكون فيه أكثر من مليون سيارة من هذا النوع على الطرق. الاسم هنا يلعب دوراً مهماً، فـ"Full Self-Driving" تبدو لأي مشتر كأنها تعني قيادة ذاتية كاملة بينما بقي المنتج الاستهلاكي حتى 2026 نظاماً يتطلب إشراف السائق ضمن مستوى المساعدة Level 2. أما تشغيل سيارة بلا سائق ضمن منطقة جغرافية مضبوطة فهو شيء مختلف تقنياً وقانونياً. لو كان إيلون ماسك مجرد محتال لما كان من داع لمقال يشرح حلقة و