لم يُحسم ملف المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر والقصر بالإحالة إلى المجلس العدلي في جلسة مجلس الوزراء في بعبدا الخميس الماضي؛ وبذلك أرجأ المجلس حسم الإحالة وقرر مواصلة التحقيقات ومتابعة طلب وزارة العدل، من دون استبعاد هذا الإجراء لاحقاً مع تقدّم التحقيقات. هذا القرار لم يكن إلغاءً للملف ولا دفناً له ،بل كان تسوية أنقذت الحكومة من انفجار سياسي كان يتربّص بها على طاولة مجلس الوزراء بعدما رفعت هذه الحادثة منسوب التوتر في العلاقة بين الحكم و" حزب الله " ولاحت في الأفق صورة احداث ٧ ايار من العام ٢٠٠٨ حين اجتاحت " القمصان السود"احياء بيروت الغربية وكان ما كان ! خلفية القرار: تفاهم الرؤساء الثلاثة ولان مشهد ٧ ايار لا يزال "حياً يرزق "كان لا بد من عمل سريع لتفادي تكراره ما ولّد مخرجاً نتيجة اتصالات سبقت الجلسة. فقد تحدث مصدر وزاري عن اتصالات ومشاورات بين الرئيس جوزاف عون والرئيس نبيه بري والرئيس نواف سلام، أفضت إلى توافق على كيفية مقاربة الملف داخل مجلس الوزراء وكان هدف الاتصالات واضحاً : تفادي الصدام مع "حزب الله " في لحظة لا يحتمل فيها الداخل اللبناني مواجهة مفتوحة، فيما يشتعل الجنوب وتتواصل المفاوضات حول ترتيبات ما بعد الاتفاق الموقّع في حزيران. ويضيف المصدر نفسه ان حسابات رئيس الجمهورية لم تكن سياسية فحسب ، وهو قال في مجلس الوزراء مبررا ارجاء القرار في انتظار المزيد من المعطيات في التحقيق ، "ان القضايا التي تُحال إلى المجلس العدلي تستغرق وقتاً طويلاً، وملف انفجار المرفأ أبرز مثال وغيره من الملفات، فيما الدولة تريد تحقيقاً جدياً يبلغ نهايته، لا ملفاً يتحوّل إلى ساحة سجال". وبحسب المعلومات المتداولة، التقى الرئيس عون صباح يوم الجلسة رئيس "حزب الكتائب اللبنانية"النائب سامي الجميل وعرض عليه دواعي عدم الإحالة في هذه المرحلة. وبالتوازي، شدد الرئيس سلام داخل الجلسة على أن حصرية السلاح ركن من أركان قيام الدولة، وأن مجلس الوزراء وحده يملك صلاحية إعادة النظر في قراراتها. بهذا بقي الموقف الرسمي ثابتاً في المبدأ، ومرناً في الإجراء. ويروي المصدر الوزاري نفسه كيف سارت المناقشات في الجلسة وفق السيناريو الذي وضع ل"المخرج "رغم موقف وزراء "القوات اللبنانية " الأكثر تشدداً وهم انسحبوا من الجلسة احتجاجاً على عدم الإحالة. وقال الوزير جو عيسى الخوري إن الجهة المعنية أعلنت نفسها، وإن قضايا سابقة أُحيلت إلى المجلس العدلي بعد يوم أو يومين من وقوعها، بينما مضت على هذه القضية ثلاثة أسابيع. إلا أن اللافت كان موقف وزير العدل عادل نصار. وهو صاحب طلب الإحالة، الذي اعترض على عدم الإحالة ولم ينسحب من الجلسة. هذا التمايز يعكس فارقاً بين من يرى في الجلسة منبراً للضغط ومن يرى فيها مؤسسة يجب الحفاظ على انتظامها . وموقف الوزير نصار اتى بعد لقاء الرئيس عون والنائب الجميل الذي تفهم موقف رئيس الجمهورية وطلب من ممثله في الحكومة "تطرية الجو" وعدم مواجهة موقف الرئيس . وقد نُقل عن الرئيس سلام وصفه تصرف وزراء "القوات"بالشعبوية ، ما اثار ردة فعل رئيسها سمير جعجع الذي تمسك بمطلب الاحالة على المجلس العدلي منتقدا ضمناً موقف وزير الكتائب . لقد أعاد مشهد الانسحاب رسم الخريطة المألوفة. ففي جلسات سابقة حول حصرية السلاح كان وزراء "الثنائي الشيعي "هم من ينسحبون. هذه المرة انسحب من يطالبون بالتشدد، وبقي "الثنائي" في مقاعده، وهو ما يعكس حجم التفاهم الذي سبق الجلسة . "حزب الله" : تريّث محمود وباب مفتوح للحوار؟ التطور السياسي اللافت هنا ان رد فعل "حزب الله" جاء مقبولاً، وهو ما يمكن البناء عليه، اذ رحّبت كتلة "الوفاء للمقاومة" بقرار الحكومة تأجيل الإحالة، ووصفته بتريّث "محمود " بانتظار استكمال المعالجة في الاتجاه الصحيح. وهذه لغة مختلفة عن لغة التصعيد التي رافقت إعلان الحزب أن الشحنة تعود إليه وأنها مخصصة لمواجهة إسرائيل في موقف تراوح بين" الجرأة السياسية " في إعلان المسؤولية ، و"الوقاحة المنفِّرة "غير المسبوقة . ويعتقد مراقبون انه يمكن قراءة هذا الموقف على أنه فرصة. ف"الحزب" يدرك أن الإحالة كانت ستُفهم كإقرار بأن أعماله خارجة عن القانون، وقد جنّبته التسوية هذا المأزق. وإذا أحسن الطرفان استثمار اللحظة، فقد تمهّد لحوار مباشر بين الحزب والرئيس عون حول مصير السلاح وآليات تسليمه والضمانات المتبادلة. لكن ذلك مشروط بألا يفسّر الحزب التريّث ضعفاً، وبألا تتحوّل التسوية إلى غطاء لإعادة المتفجرات أو لطيّ الملف كما كان يحصل في مرحلة ما قبل حرب إسناد غزة وحرب إسناد ايران . واشنطن: ردة فعل سلبية متوقعة في المقابل، يتخوف الكثيرون في السلطة من أن يقابل الجانب الأميركي القرار بقدر من الاستياء. فقبل أيام فقط، وصف وزير الخارجية ماركو روبيو، في اتصال بالرئيس عون، إعادة المتفجرات إلى "حزب الله" بأنها أمر يجب