الأحد 25 أكتوبر 2026 12:29 مساءً - بتوقيت القدس أثار جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي في لبنان حول شطيرة دجاج مرتفعة الثمن، تساؤلات عميقة حول اتساع الفجوة الاجتماعية بين المواطنين. وتأتي هذه الضجة بعد سبع سنوات من الانهيار المالي الذي عصفت تداعياته بالاقتصاد اللبناني، مما جعل الإنفاق المترف لبعض الفئات يبرز بشكل حاد أمام معاناة الأغلبية. بدأت القصة حين أطلق مطعم متخصص في الأطعمة الصحية ببيروت شطيرة أطلق عليها اسماً ساخراً بسعر يصل إلى 13 دولاراً، وهو ما يعادل ضعف سعر الشطيرة العادية. وقد اعتبر منتقدون أن هذا التسعير يمثل مبالغة غير منطقية في بلد تكافح فيه معظم الأسر لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتها الغذائية الأساسية. رغم الانتقادات الحادة والاتهامات للمطعم باستغلال الأوضاع، إلا أن الإقبال على الشراء ظل مرتفعاً بشكل لافت للنظر. وأفادت مصادر من إدارة المطعم بأنهم تمكنوا من بيع أكثر من 20 ألف شطيرة خلال 11 يوماً فقط، معتبرين أن النقاشات الدائرة على الإنترنت ساهمت في الترويج للمنتج بدلاً من مقاطعته. تعكس ردود الفعل المتباينة واقعاً مريراً في لبنان، حيث أعادت سنوات الاضطراب المالي والشلل السياسي تشكيل المشهد الاجتماعي بالكامل. وقد أدت هذه الأزمات المتلاحقة إلى تآكل الطبقة المتوسطة بشكل شبه كامل، تاركةً الساحة لشريحة صغيرة جداً قادرة على الحفاظ على نمط حياة مرفه. أوضح سامي نادر، الخبير الاقتصادي في جامعة القديس يوسف أن الإقبال الكثيف على بعض السلع الفاخرة يخفي وراءه واقعاً اقتصادياً أكثر قسوة. وأشار إلى أن المشهد الاستهلاكي الحالي لا يعبر عن صحة الاقتصاد، بل عن انقسام حاد بين من يملكون العملة الصعبة ومن يعيشون تحت خط الفقر. انقسم رواد مواقع التواصل الاجتماعي بين من اتهم المطعم بالسرقة العلنية، ومن رأى أن الشطيرة موجهة لفئة محددة تملك القدرة الشرائية. وتساءل البعض عما إذا كان هذا الجدل يعكس انشغالاً بأولويات ثانوية في ظل أزمات وجودية كبرى تواجهها البلاد، بما في ذلك اعتداءات جيش الاحتلال المستمرة. يواجه لبنان تحديات جسيمة تتمثل في احتلال قوات الاحتلال لمساحات من جنوبه، بالإضافة إلى أزمات الكهرباء والمياه المزمنة التي تؤرق حياة المواطنين. وتأتي هذه الأزمات في وقت يعاني فيه الاقتصاد من انكماش حاد وصل إلى نحو 40 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي منذ عام 2019. تشير البيانات الاقتصادية إلى أن التضخم في لبنان تجاوز أربعة أمثال المعدل العالمي، مدفوعاً بزيادة أسعار الطاقة والشحن. هذا الارتفاع الجنوني في الأسعار أدى إلى تقويض القوة الشرائية للسكان بشكل غير مسبوق، مما جعل السلع الأساسية بعيدة عن متناول الكثيرين. أكدت تقارير دولية أن أربعاً من كل خمس أسر في لبنان تكافح حالياً لتأمين احتياجاتها المعيشية الضرورية. ووصف خبراء اقتصاديون الوضع بأن الطبقة المتوسطة قد "اختفت" فعلياً نتيجة سلسلة من الكوارث، بدأت بانهيار النظام المالي ومروراً بانفجار مرفأ بيروت وصولاً إلى الحروب المتكررة. تفاقمت أزمة المعيشة مع ارتفاع فواتير المولدات الخاصة التي يعتمد عليها اللبنانيون لتعويض انقطاع كهرباء الدولة. فقد سجلت أسعار الكيلووات/ساعة ارتفاعاً بنسبة 60 بالمئة مقارنة ببداية العام الجاري، مما شكل عبئاً إضافياً لا يطاق على كاهل العائلات ذات الدخل المحدود. أصبح الحصول على الكهرباء على مدار الساعة يكلف مئات الدولارات شهرياً، وهو مبلغ يقترب من قيمة الحد الأدنى للأجور البالغ 400 دولار. هذا التفاوت الصارخ يجعل من المستحيل على العامل العادي الموازنة بين تكاليف الطاقة وتكاليف الغذاء والسكن في آن واحد. نقلت مصادر عن عاملين في قطاع المطاعم ببيروت وصفهم للوضع بأنه مأساوي، حيث يضطر الكثيرون للاقتراض من أجل إكمال الشهر. وأشار عاملون إلى أن الديون المتراكمة أصبحت تهدد مستقبلهم، في ظل غياب فرص العمل وتدهور الأوضاع الأمنية والسياسية المحيطة بالبلاد. يرى مراقبون أن المجتمع اللبناني انقسم إلى طبقتين؛ طبقة قادرة على العيش والترف، وطبقة أخرى تنتظر مصيراً مجهولاً تحت وطأة الفقر. وتجسد قصة "شطيرة الدجاج" هذا الانقسام بشكل رمزي، حيث تصبح الرفاهية الاستهلاكية مستفزة لمن لا يجد قوت يومه. يبقى الانهيار المالي الذي بدأ عام 2019 نتيجة عقود من الفساد والإنفاق غير المدروس هو المحرك الأساسي لهذه الأزمات. ومع استمرار التوترات الإقليمية واعتداءات جيش الاحتلال، تظل الآفاق الاقتصادية للبنان قاتمة بانتظار حلول جذرية تنتشل البلاد من عثرتها.