يحتاج القصب إلى الماء كي ينمو، لكنّ مجدي الحجّار يسقيه بالأحزان. في عنوان ديوانه الخامس، "نسقي بأحزاننا قصب النهر"، الصادر عن دار النهضة العربية، تنقلب العلاقة بين الإنسان والطبيعة: النهر الذي يفترض أن يحمل ماءه إلى النبات ينتظر شيئاً من داخلنا، كأنّ ما فاض عن احتمال القلب يستطيع أن يواصل حياةً خارجه. والحزن، منذ هذه العتبة، يدخل في دورة تحوّل، يغادر صاحبه ليغذّي ما قد يعود إليه يوماً صوتاً. من هنا يمكن الاقتراب من قصائد الشاعر الآتي من المؤسسة العسكرية، العميد المتقاعد في الجيش اللبناني، من دون اختزال تجربته في المفارقة السهلة بين خشونة العسكر ورقّة الشعر. فالسيرة تفتح سؤالاً عن علاقة الذات بالضبط والانفلات، لكنّ القصائد وحدها تستطيع الإجابة عنه: كيف يتكلّم الإنسان حين لا يعود قادراً على ترتيب داخله؟ وأيّ لغة يحتاجها القلب حين يعجز عن إخضاع رغباته لما يعرفه عن الحياة؟ بين عنوان الديوان وقصيدة "النهر والناي"، يسري خيط من الماء إلى الموسيقى: قصبٌ تسقيه الأحزان، ثم يُقطع عن منبته، ويُفرَّغ قلبه ليعبر فيه النَّفَس. كأنّه لا يجد صوته إلّا بعدما يفقد جذوره، ولا يغنّي إلّا بما تركه الفقد في داخله من فراغ. ومن بعيد، يصل صدى افتتاح "المثنوي" لجلال الدين الرومي، حيث يشكو الناي فراق أصله، ويحمل أنينه شوقاً إلى الوصل. صدى يفتح للقراءة باباً، من غير أن نجزم بأنّ الشاعر تعمّد استدعاءه. الشاعر مجدي الحجار يوقع ديوانه في معرض بيروت العربي الدولي للكتاب لكنّ عنوان الحجّار يتيح سؤالاً يسبق ولادة الناي: ماذا نسقي بأوجاعنا؟ ما دام الفعل يأتي بصيغة الجمع، فإنّ الحزن يتجاوز اعتراف الشاعر المنفرد. ثمّة آخرون يشاركونه هذا السقي، وذاكرة تتكوّن من خسارات متعدّدة. قد ينبت القصب من حصيلة ما عجز الجميع عن قوله. هنا تنشأ إمكانية لقراءة الشعر بوصفه تحويلاً للألم، مع الاحتفاظ بالفارق بين التحويل والخلاص. فالقصيدة تستطيع أن تمنح الخسارة شكلاً قابلاً للمشاركة، لكنّها لا تعيد الغائب، ولا تسترجع ما استُهلك من العمر. يظلّ في الموسيقى شيء من الجرح الذي جعلها ممكنة. يفتح عنوان "مقام الوصل" باباً على معجم تتقاسمه القصيدة الغزلية والتجربة الصوفية. فالوصل غاية العاشق، و"المقام" يمنحه معنى الإقامة والثبات، كأنّ اللقاء المهدّد بالانقضاء يريد أن يعثر على موضع يستقرّ فيه. الشاعر مجدي الحجّار وشقيقه وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجّار. وفي المقطع المرفق من القصيدة تتجاور مفردات الشوق والوجد والسرّ والكتمان والجهر. وهي مفردات تحمل ذاكرة طويلة من التعبير عن الحبّ، تتداخل فيها رغبة البوح والخوف من انكشافه. غير أنّ قيمتها تتحدّد بما تُحدثه في العلاقة: ماذا يتغيّر حين يُعلَن السرّ؟ وهل يخفّ حمل العاشق حين يقوله، أم يصبح أكثر تعرّضاً لما يخشاه؟ من هذه الزاوية، يمكن قراءة الغزل عند الحجّار بوصفه اختباراً لحدود التعبير. فالعاشق يريد أن يمنح إحساسه كلاماً يوازيه، فيما يظلّ الإحساس أوسع من العبارة. تتكرّر محاولة القول لأنّ القول السابق لم يبلغ الغاية، ولأنّ الوصل نفسه قد يبقى ناقصاً، حتى في حضور المحبوبة. ويكتسب هذا النقص ثقلاً آخر حين يدخل الزمن. فعنوان "هذا العمر" يضع الإشارة على ما نملكه الآن، فيما يوحي المقطع المرفق بتناقصه. عندئذ تصبح الرغبة مشدودة إلى ما يفوت أيضاً. نحبّ وفي داخلنا معرفة بأنّ الوقت لا ينتظر اكتمالنا، وأنّ بعض ما نؤجّله يفقد إمكان تحقّقه. تمنح إشارات الوجد والوصل والنور والسرّ شعر مجدي الحجّار نبرةً روحيةً تتّسع فيها لغة الغزل لمناجاة أعمق. تتردّد هذه المفردات محمّلةً بذاكرتها العرفانية، وتلتقي بحرارة الشوق الإنساني، فيغدو العشق معرفةً تنضج في القلب، ويصبح حضور المحبوب نافذةً تنفتح منها الذات على أسرارها وعلى رحابة العالم. في هذا الأفق، تتجلّى رهافة التجربة: الحبّ يغيّر العين التي ترى، ويوقظ في الأشياء ضوءاً كان خافياً. وكلّ اقتراب من المحبوب يكشف مسافةً أخرى تستدعي الشوق، كأنّ الوصل وعدٌ يتجدّد كلّما ظنّ القلب أنّه بلغه. ومن هذه الحركة بين اللقاء والتوق، تستمدّ القصيدة نبضها الداخلي، وتكتسب الحيرة جمالها بوصفها يقظةً دائمة أمام ما يستعصي على الإحاطة. وتظلّ المرأة في قلب هذا الإشراق، بحضورها الحسيّ وملامحها الحميمة، بما توقظه من رغبة وحنين، وما تفتحه من أسئلة. يمنحها الغزل كثافة الحضور، فيما تمنح هي اللغة قدرتها على التجدّد، يتّسع أثرها من تفاصيل اللقاء إلى تأمّل العمر، ومن رجفة القرب إلى الإصغاء لما يتركه الغياب في الروح. هكذا تتجاور في شعر الحجّار عذوبة الغزل وأصداء المناجاة، ويأخذ العشق مداه بين جسدٍ يشتاق وقلبٍ يتأمّل. وفي المسافة بينهما تتنفّس القصيدة، حاملةً حرارة التجربة ورهافة الإصغاء إلى سرّها. يتّسع المجال الوجداني في المختارات مع قصي