لا تستمد طرابلس أهميتها السياسية من حجمها السكاني وموقعها الجغرافي فحسب، بل من دورها في المعادلة الوطنية. فهي مركز الثقل السياسي والشعبي شمالا، ولها تأثير في التوازنات الداخلية والاستحقاقات الانتخابية، وتشكّل صلة وصل بين بيروت والشمال والعمق العربي عبر موقعها الساحلي ومرافقها الاقتصادية. لكن المفارقة أن هذه المكانة السياسية والتاريخية لم تنعكس تنمية متوازنة على المدينة التي لا تزال تواجه الفقر والبطالة وضعف الاستثمارات وتراجع الخدمات العامة، على رغم امتلاكها مرفأً إستراتيجياً ومعرض رشيد كرامي الدولي والمنطقة الاقتصادية الخاصة، وهي مرافق يمكن أن تشكّل رافعة للنمو إذا أُحسن استثمارها. وقد عبّر الرئيس في أولى جولاته عن الدعم الذي يحمله إلى المدينة المنسية، عندما توجه إلى أبنائها من السرايا بالقول إن الدولة موجودة إلى جانبهم، ولاستعادة الثقة بها يجب توفير الخدمات، وقد آن الأوان لوضع حد للإهمال اللاحق بها. كذلك دعا من المديرية العامة لأمن الدولة العناصر الأمنية إلى عدم التهاون أو الخضوع للضغوط، بل تأدية الواجب بضمير ومسؤولية. من هنا، حملت زيارة عون رسالة سياسية مفادها أن طرابلس ليست على هامش الدولة، بل هي جزء أساسي من مستقبلها الاقتصادي والوطني. غير أن الرهان الحقيقي يبقى في ترجمة هذه الزيارة إلى خطوات عملية تعيد الثقة بالدولة، وتطلق المشاريع الإنمائية وتجذب الاستثمارات، وتوفّر فرص العمل، وتبعد شبح المخاوف الأمنية من اضطرابات ترمي إلى عزل طرابلس وإلحاقها بمشاريع تقسيمية يتردد صداها بين أبناء المدينة. فهي لا تحتاج إلى الزيارات الرسمية وحدها، بل إلى سياسة إنمائية مستدامة تعيد إليها دورها الطبيعي في الاقتصاد اللبناني، ولديها كل المقومات لذلك. وإذا كانت بيروت عاصمة لبنان السياسية والإدارية، فإن طرابلس تستحق أن تكون عاصمة اقتصادية فعلية للشمال، لا مجرد عاصمة ثانية في التسمية.