في خطوة تنمّ عن استهتار قانوني وسياسي بمصالح اللبنانيين وبأبسط مقومات حياتهم اليومية، أطلّ مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان، المعيّن حديثاً، بقرار يقضي بقطع التيار الكهربائي عن الإدارات والمؤسسات العامة ومصالح المياه المتخلّفة عن سداد الفواتير، اعتباراً من 2 تشرين الثاني. وظاهر القرار يتوشّح بشعارات برّاقة حول “الإصلاح” والحوكمة المالية، لكن باطنه لا يعكس سوى منهجية ابتزاز سياسي يمارسها وزير الطاقة والمياه جو الصدّي، الذي يدفع البلاد نحو أزمة خدماتية غير مسبوقة تحت ذرائع واهية. ولعل السؤال القانوني والسياسي الأبرز الذي يفرض نفسه أمام هذا الإجراء الارتجالي هو: من أين يستمد وزير الطاقة أو مجلس إدارة مؤسسة عامة صلاحية تعطيل مرافق عامة، تتمثّل وظيفتها الأساسية في تقديم خدمات حياتية للمواطنين؟ فالإدارات الرسمية ليست شققاً خاصة أو مكاتب تجارية تُقطع عنها الكهرباء لمعاقبة أصحابها، بل هي منشآت حيوية تدير شؤون الدولة والمواطنين. ومن بين المؤسسات المستهدفة بالقطع مصالح المياه المنتشرة على الأراضي اللبنانية، حيث لا تُستجرّ الكهرباء لإنارة مكاتب المديرين العامين، بل لتشغيل محطات الضخ والتكرير التي تغذّي ملايين اللبنانيين بالمياه. فأي منطق يجيز معاقبة الشعب اللبناني كاملاً بقطع المياه عنه، بذريعة تصفية حسابات مالية بين إدارتين تقعان تحت سقف الدولة الواحدة؟ والأنكى من ذلك أن تتبدّى المخالفة القانونية الصارخة والتناقض الفاضح في أداء الوزير جو الصدّي، حين ندرك أن مصالح المياه تقع أساساً تحت سلطة الوصاية المباشرة لوزارة الطاقة والمياه التي يرأسها. وأمام هذا الواقع، نجد أنفسنا أمام فرضيتين لا ثالث لهما، وفي كلتيهما يتحمّل الوزير الصدّي مسؤولية مباشرة وصريحة. فإذا كانت موازنات مصالح المياه لم تلحظ اعتمادات لتسديد فواتير الكهرباء، فهذا يعني تقصيراً وفشلاً مباشرين من سلطة الوصاية. فكيف صادق الوزير الصدّي على موازنات هذه المصالح ووقّعها من دون أن تتضمن بنوداً صريحة لتغطية المستحقات المالية لمؤسسة كهرباء لبنان؟ أليست هذه مسؤولية قانونية وإدارية يطالها الإهمال الوظيفي وسوء الإدارة؟ أما إذا كانت هذه الاعتمادات مرصودة في الموازنات، لكن لم تُحوّل إلى مؤسسة كهرباء لبنان، فإن الواجب القانوني والأخلاقي يفرض على الوزير أن يوعز إلى إدارته بتقديم ادعاء جزائي فوراً بحق مديري تلك المؤسسات العامة، ومساءلتهم أمام القضاء المالي عن هدر الأموال أو اختلاسها، بدلاً من اللجوء إلى “العقاب الجماعي” للشعب عبر إطفاء المحطات ودفع المصلحة العامة نحو الهاوية. وهنا ينكشف المستور بالكامل، إذ تؤكد مصادر مطلعة أن خلف هذه القرارات دوافع سياسية واضحة، يتصل بعضها برغبة الوزير وحزبه “القوات اللبنانية” في ممارسة الضغط السياسي والابتزاز المالي على الحكومة ومجلس الوزراء، لا سيما بعد رفض مقترحات بموازنات ضخمة كان قد طرحها. لتأتي بعدها خطوات تهدد بشرذمة القطاع العام، مع التلويح بالاعتكاف وتعطيل الخدمات الأساسية. إن الإصرار على جرّ البلاد إلى أزمة عطش وظلام شاملين تحت حجة “تحصيل الديون” بين مؤسسات الدولة سلوك غير مسؤول، يثبت مرة أخرى أن تحويل الوزارات إلى متاريس للحسابات الحزبية والسياسية سيعود بالخراب المحتم على لبنان، وعلى ما تبقّى من هيكل دولته ومؤسساته.