تتداخل التطورات الميدانية والسياسية لتضع لبنان أمام مرحلة شديدة الحساسية، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، وتعثر المساعي الرامية إلى تثبيت الاستقرار على الحدود الجنوبية، بالتزامن مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران. وبين حسابات الانتخابات الإسرائيلية والاستحقاق الانتخابي الأميركي، يجد لبنان نفسه أمام مشهد إقليمي مفتوح على احتمالات متعددة، فيما تزداد الحاجة إلى تحصين الجبهة الداخلية ومنع انتقال الضغوط الخارجية إلى الساحة اللبنانية. ميدانياً، شهد الجنوب في الأيام الأخيرة تصعيداً إسرائيلياً طاول عدداً من البلدات، مع تركّز الاعتداءات في القطاعين الغربي والأوسط. وامتدت العمليات إلى إحراق مساحات حرجية في وادي الحجير، فيما استُهدفت النبطية الفوقا ومحيط تلة علي الطاهر بالطائرات المسيّرة، بالتوازي مع قصف مدفعي عنيف. ويأتي هذا التصعيد فيما تقترب إسرائيل من موعد انتخاباتها المقررة في 27 تشرين الأول الجاري، وسط تساؤلات عن انعكاس الحسابات الداخلية الإسرائيلية على طبيعة المواجهة في المنطقة، وإمكان لجوء حكومة بنيامين نتنياهو إلى توسيع العمليات العسكرية في محاولة لتغيير الوقائع أو التأثير في مسار التطورات. ولا تنفصل هذه المخاوف عن مسار المواجهة الأميركية الإيرانية، التي لا تزال تلقي بظلالها على مختلف جبهات المنطقة. فالمواقف الصادرة عن مسؤولين أميركيين تعكس استعداد واشنطن لاحتمال استمرار الصراع، رغم الرهان على الضغوط العسكرية والاقتصادية لدفع طهران إلى تقديم تنازلات في الملفات النووية وأمن الملاحة في مضيق هرمز. وفي موازاة ذلك، حذّر المبعوث الأميركي توم برّاك من احتمال توجيه ضربة أميركية لإيران خلال عطلة نهاية الأسبوع، مشيراً إلى تراجع هامش الصبر لدى الرئيس دونالد ترامب. كما أكد السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، أن بلاده تستعد لاحتمال استمرار الصراع مع إيران فترة طويلة، رغم آمال واشنطن في أن تؤدي الضربات والعقوبات الاقتصادية إلى انتزاع تنازلات من طهران بشأن البرنامج النووي وإعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز. ويزيد هذا المناخ من صعوبة استشراف المرحلة المقبلة، ولا سيما أن نتائج الانتخابات النصفية الأميركية قد تؤثر في خيارات الإدارة الأميركية وتوجّهاتها تجاه ملفات المنطقة. وسط هذه المعطيات، يبقى لبنان عرضة لتداعيات أي تصعيد إقليمي، في وقت لم تنجح فيه الاتصالات الجارية في توفير ضمانات تحول دون اتساع الاعتداءات الإسرائيلية. كما لم تحقق المحادثات العسكرية اللبنانية الإسرائيلية، التي استضافها مقر القيادة المركزية الأميركية في تامبا بولاية فلوريدا على مدى يومين، تقدّماً ملموساً يفتح الطريق أمام معالجة الخلافات العالقة. وانتهت الاجتماعات من دون اتفاق واضح على الخطوات المقبلة، فيما لم يُحدّد موعد لاستئنافها، بانتظار اتضاح المشهد السياسي بعد الانتخابات الإسرائيلية والأميركية. وأعادت هذه المحادثات طرح الأسئلة المتعلقة بطبيعة الدور المطلوب من الجيش اللبناني، وحدود الضغوط الأميركية لدفع المؤسسة العسكرية إلى اتخاذ إجراءات مرتبطة بسلاح حزب الله. كذلك برز مجدداً التباين حول كيفية التعامل مع هذا الملف، في ظل تمسّك إسرائيل بجعل نزع سلاح الحزب شرطاً أساسياً لوقف اعتداءاتها والانسحاب من جنوب لبنان. وفي المقابل، يواجه لبنان معادلة معقدة بين حماية سيادته ومصالحه الوطنية، والتعامل مع الضغوط الدولية، وتجنّب خطوات قد تفتح الباب أمام توترات داخلية إضافية. وفي ضوء تعثر الجولة الأخيرة، تبرز توجهات نحو البحث في صيغة رقابية أكثر تنظيماً، تقوم على التحقق من الوقائع الميدانية ووضع إجراءات محددة للتعامل مع الاعتراضات، بما يحدّ من إمكان تعطيل المسار التفاوضي بسبب الخلافات بين الأطراف. غير أن فرص التقدم في هذا الاتجاه تبقى مرتبطة بالتطورات السياسية والعسكرية، وبمدى استعداد المعنيين للانتقال من تبادل الشروط إلى البحث عن ترتيبات قابلة للتطبيق. على المستوى الداخلي، تتزامن هذه التحديات مع ملفات سياسية وأمنية تثير تجاذبات متزايدة، وفي مقدّمها قضية شاحنة المتفجرات في ضهر البيدر. ويضع استمرار الخلاف حول هذا الملف المؤسسات أمام اختبار القدرة على إدارة القضايا الحساسة ضمن الأطر القانونية، بعيداً عن أي تصعيد سياسي قد ينعكس على الاستقرار العام. وفي هذا السياق، تكتسب الدعوات إلى التهدئة وتعزيز التفاهم الداخلي أهمية إضافية، في ظل أوضاع إقليمية لا تحتمل أن تتحول الخلافات المحلية إلى مصدر جديد للاهتزاز. وكان رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري قد شدّدا، في مواقفهما، على ضرورة حماية الوحدة الداخلية وتوسيع مساحات التفاهم بين اللبنانيين. كما دعا الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط إلى إعادة فتح قنوات التواصل مع حزب الله، مباشرة أو عبر و