سبق للكاتب أن توسع في مضمون إتفاق الإطار 2026 بقراءات قانونية نشرت بتاريخ سابق في «نداء الوطن» بعنوان «قراءة قانونية للإتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل الموقع في واشنطن 2026 (جزء أول)»، و«قراءة قانونية لإتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل 2026: التحليل القانوني للمواد 1 الى 3 (جزء ثان)»، أما في القراءة الحاضرة فيعالج في الجزء الثالث مضمون المادتين 4 و5 منه، على أن يستكمل تحليل المواد المتبقية تباعاً، إذا أمكن. المادة 4: إعادة بناء السيادة واحتكار الدولة لاستخدام القوة تُعد المادة الرابعة من أكثر مواد الاتفاق الإطاري كثافة من الناحية القانونية، لأنها لا تقتصر على تقرير التزامات متبادلة بين لبنان وإسرائيل، بل تتناول مسألة تمس جوهر ممارسة الدولة لسيادتها، وهي حصرية السلطة العامة في ممارسة الوظائف العسكرية والأمنية داخل الإقليم الوطني. فالمادة لا تقتصر على الإشارة إلى نزع سلاح جماعة مسلحة معينة، وإنما تضع هدفاً أوسع يتمثل في إعادة بناء احتكار الدولة لاستخدام القوة، ونزع السلاح الكامل والموثق لجميع الجماعات المسلحة غير الحكومية، ومنع أي دور عسكري أو أمني أو قدرات مسلحة لهذه الجماعات في أي مكان في لبنان. ومن ثم، فإن تحليلها يقتضي بحث مفهوم السيادة، ومبدأ وحدة السلطة العامة، وطبيعة الالتزام الواقع على الدولة اللبنانية، ومسألة نزع السلاح، وأخيراً حدود الاستعانة بالشركاء الدوليين. تبدأ المادة الرابعة بما يلي: «تؤكد حكومة لبنان مجدداً التزامها الراسخ والثابت باستعادة السيادة الكاملة على كامل أراضيها وممارستها» وتكتسب عبارة «تؤكد مجدداً» أهمية قانونية، لأنها توحي بأن الالتزام باستعادة السيادة لا ينشأ للمرة الأولى بموجب الاتفاق الإطاري، وإنما يمثل التزاماً قائماً سابقاً عليه، من هنا يأتي الاتفاق ليعيد تأكيده وربطه بآليات تنفيذية محددة. فالسيادة الإقليمية ليست امتيازاً تمنحه دولة لدولة أخرى، وإنما هي من المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام الدولي. وقد نصت المادة 2/1 من ميثاق الأمم المتحدة صراحة على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها، كما تحظر المادة 2/4 التهديد باستعمال القوة أو استعمالها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة (1). ومن ثم، فإن إعادة تأكيد لبنان لسيادته على كامل أراضيه لا يمكن تفسيرها، من حيث الأصل، على أنها اكتساب لحق جديد، بل كتأكيد لحق أصيل قائم في القانون الدولي. ولكن ينبغي هنا التمييز بين السيادة القانونية (de jure sovereignty) وبين القدرة الفعلية على ممارسة مظاهر السلطة الحكومية، فقد تبقى الدولة صاحبة السيادة القانونية على إقليم معين رغم عجزها المؤقت عن ممارسة جميع وظائفها فيه. ولا يعني وجود هذا العجز، بذاته، زوال الشخصية الدولية للدولة أو انتقال السيادة إلى جهة أخرى، وقد عالجت محكمة العدل الدولية هذه المسألة في عدد من القضايا المتعلقة بالسيادة الإقليمية والاحتلال، مؤكدة أهمية التمييز بين العنوان القانوني إلى الإقليم وبين السيطرة الفعلية عليه(2). ويؤكد جايمس كراوفرد أن مفهوم الدولة في القانون الدولي يرتبط بوجود إقليم وسكان وحكومة قادرة على ممارسة وظائفها، مع التأكيد على أن فعالية الحكومة لا ينبغي الخلط بينها وبين وجود الشخصية الدولية للدولة ذاتها(3). وعليه، فإن عبارة «استعادة السيادة الكاملة» في المادة الرابعة ينبغي ألا تفهم على أن لبنان فقد سيادته القانونية على أجزاء من أراضيه، وإنما على أنه يسعى إلى استعادة القدرة الفعلية والكاملة على ممارسة وظائف الدولة فيها. كما تنص المادة 4 على أن الحكومة اللبنانية «ستعمل على إعادة بناء احتكار الدولة لاستخدام القوة»، من هنا، لا يستخدم القانون الدولي العام، في صيغته التقليدية، مصطلح «احتكار الدولة للقوة» بالمعنى السوسيولوجي الذي اشتهر به ماكس ويبير (4)، إلا أن الفكرة التي يعبر عنها المصطلح ترتبط بصورة وثيقة بمبدأ السيادة الإقليمية وبوحدة السلطة العامة. ويذهب الفقه الحديث إلى أن الدولة، بوصفها السلطة العامة صاحبة الاختصاص الإقليمي، ينبغي أن تكون قادرة على ممارسة وظائفها الأساسية، بما فيها حفظ الأمن وإنفاذ القانون والدفاع عن الإقليم(5)، ومن هنا فإن وجود قوة مسلحة مستقلة عن أجهزة الدولة لا يؤدي بحد ذاته إلى زوال سيادة الدولة أو شخصيتها الدولية، لكنه قد يؤدي إلى تقييد قدرتها الفعلية على ممارسة اختصاصاتها السيادية. يطرح السؤال التالي: هل تنشئ المادة التزاماً جديداً ؟ في تقدير الكاتب، لا ينبغي اعتبار الالتزام الوارد في هذه الفقرة منشئاً لمبدأ قانوني جديد، فقد سبق لمجلس الأمن أن أكد في القرار 1701 لعام 2006 أهمية ألا تكون هناك أسلحة أو سلطة في لبنان غير تلك التابعة للدولة اللبنانية، كما دعا إلى نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة في لبنان وفقاً لاتفاق الطائف والقرارات الد