الدولة «تشتري الوقت» تَجَنُّباً لاصطدامٍ داخلي... يَصعب تفاديه «رُبطتْ الأحزمةُ» في لبنان على وقع وقوفِ المنطقة على شفير حربٍ جديدة بدا أنها واقعة ولم يبْقَ إلا تحديد ساعة الصفر لانفجارها، وهل تُخاض على قاعدة تَحريكِ مسار التفاوض وتسريع التسوية بشروطِ الميدان والحصار الحديدي لطهران، أم إنهاء النظام في إيران بعد إنهاكٍ اقتصادي ومالي شامل. وفيما جعلتْ واشنطن لبنان جزءاً من تحديثِ إرشاداتِ السفر التي شملتْ عدداً من دول المنطقة وفق مستوى «عدم السفر»، رَبْطاً بتزايُد َمخاطر وقوع هجماتٍ يشنّها الحوثيون واحتمالاتِ حدوث تصعيدٍ سريع في الأعمال العدائية على المستوى الإقليمي، فإنّ بيروتْ بدت وكأنها «تَحبس أنفاسَها» في ظلّ انعدام الرؤية بإزاء هل سيُقْدِم «حزب الله» على الانخراط في حرب الإسناد – 2 لإيران (بعد حرب 2 مارس الماضي) في حال اشتعال جبهتها أم سيَمتنع هذه المرة عن ذلك. وإذ تساهم «النقطة العمياء» المستجدّة التي يشكّلها ابتعاد رئيس البرلمان نبيه بري عن «حزب الله» وإعلانه واقعياً انتهاء صلاحية علاقة «الأخ الأكبر والأصغر» بينهما في تعميق حيرة الدولة اللبنانية بإزاء أين يقف الحزب من أي إعصار نار جديد في الإقليم، فإنّ أوساطاً مطلعة في بيروت ترى أن انخراطه في حربٍ ثالثة أو عدمه تتحكّم به اعتباراتٌ إيرانية بالدرجة الأولى موصولة بمعياريْن متكاملين: * الأوّل ما ستَكشفه الموجة الأولى من حرب جديدة، لجهة هل أن قراراً اتُّخذ بسحْق النظام في إيران، أم أن الأمر هو «تحوُّرٌ» لجولة 28 فبراير نحو سيناريو أكثر شراسة يستفيد من الحصار الفولاذي وبخلفيةِ جلْب طهران الى طاولة الحلّ وفق دفتر شروط إدارة الرئيس دونالد ترامب، أو (وهو الأقل ترجيحاً) تبرير «إعلان النصر» بعد تحقيق أضرار «نووية» إضافية في منشآتِ إيران وربما بنى تحتية جديدة، ثم الانسحاب. * والمعيار الثاني هل زجُّ «حزب الله» في الحرب المحتمَلة سيُحْدِث فارقاً وخصوصاً بعد تَراجُع دوره من ركيزةٍ في الردع الاستراتيجي، الذي انتقل إلى الحوثيين، إلى إسنادٍ قد يكون مُفيداً لطهران في حال انزلقتْ المواجهةُ إلى «عليّ وعلى أعدائي». وفي هذا السياق تَرى الأوساط المطلعة أن «حزب الله» بات «الحلقة الأضعف» في ساحات المحور الإيراني القادرة على إلحاق الضرر من دون أن يرتدّ عليها مُضاعَفاً على المستوى العسكري في ضوء انكسار الموازين بالكامل مع إسرائيل، كما على الصعيد السياسي في ظلّ العزلة الداخلية التي يعيشها الحزب والتي تشتدّ وتمدّدتْ الى داخل البيت الشيعي، ولا سيما مع إظهار الرئيس بري إشاراتِ انتهاء «التوأمة» مع الحزب، كما تثبيت الدولة اللبنانية ملف حَصْر السلاح بيدها، وصولاً لبدء ترجمة قراراتها في هذا الشأن وفق ما عبّرت عنه مصادرة شحنة المتفجرات التابعة له وتوسيع التحقيقات فيه وإصرار الحكومة على المضيّ بالمساءلة بلا سقف. ومن هنا، تَعتبر الأوساط أنّ مؤشراتِ استمرار الدولة اللبنانية في إستراتيجيةِ الانتظار «على ضفة النهر»، ريثما تنقشع الرؤية على جبهة إيران، ومحاذرتها الذهاب في سحْب سلاح حزب الله الى ما قد يستجرّ صِداماً معه، هي واقعياً «سيف ذو حدين» ويمكن أن تتلقى البلاد جراءها تشظيات أكثر خطورة، باعتبار أنها فعلياً «كالمنشار يقص صعوداً ونزولاً». ووفق الأوساط نفسها، فإن الدولةَ التي اختارتْ ما بدا نسخة «رسمية» من الصبر الإستراتيجي في ملف شحنة المتفجرات عبر التريث في إحالته على المجلس العدلي تاركة الأمر رهْن التحقيقات التي تَجري حالياً في القضاء العسكري، مازالت تحبّذ خيار «الانحناء أمام العاصفة» التي لوّح بها مجدداً «حزب الله» تجاه الداخل في حال تَجَرّأتْ على الارتقاء بقضية الشحنة وتالياً سلاحه الى أعلى هيئة قضائية جزائية (أحكامها مبرمة ولا تقبل المراجعة)، وهي لذلك واصلتْ سياسةً تعكس تردُّداً وارتباكاً، ولو تحت عنوان صون الاستقرار الداخلي والسلم الأهلي. وفي تقدير الأوساط عيْنها، أن الدولةَ اللبنانية ترى أنّ أي حرب جديدة على إيران، سواء كانت نتائجها «قاضية» أو تسريعية لدينامية التفاوض على تلك الجبهة، سترتدّ حُكْماً على بلاد الأرز وخيارات «حزب الله»، بحيث إن فقدان الحزب «رأس المحور» سيَجعله يعيد حساباته في ما خصّ المعادلة التي يرتكز عليها لمعاندة تسليم سلاحه، كما أن بلوغَ تسويةٍ مع النظام الإيراني – وهي ستكون حُكْماً بشروط الميدان - ستترك أيضاً تأثيراتٍ تخفيفية لهوامش المناورة أمامه في ما يتعلق بترسانته. ووفق هذه القراءة، فإن أي انخراطٍ من حزب الله في إسنادِ طهران خلافاً لقرارات الدولة ورغبتها سيضعه في فوهة البركان، وسيكون من الصعب لأحد مساعدته ما دام يرفض أن يساعد نفسه، وسط اقتناعٍ، وخلافاً لبعض التقديرات، بأن المسارَ الديبلوماسي المباشر بين بيروت وتل أبيب برعايةٍ أميركيةٍ سيُبْقي على «بوليصةِ التأمين» للمؤسسات