في 2 تموز 2026، نفّذ وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني واحدة من أوسع الجولات التي قام بها مسؤول سوري في لبنان منذ سقوط نظام بشار الأسد. التقى رئيس الجمهورية جوزاف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام، وزار دار الفتوى وبكركي وكليمنصو ومعراب وبيت الكتائب، قبل أن ينتقل إلى طرابلس ويلتقي مرجعياتها. لكن وسط ازدحام المحطات الرسمية والسياسية والدينية، غابت محطة ذات رمزية استثنائية: ضريح الرئيس الشهيد رفيق الحريري. لم تتضمن الجولة المعلنة وقوف الشيباني أمام الضريح الذي يختصر، بالنسبة إلى شريحة واسعة من اللبنانيين، مرحلة المواجهة مع الوصاية السورية والاغتيال الذي غيّر تاريخ لبنان. وقد أثار هذا الغياب تساؤلات علنية في حينه، ولا سيما أن زيارة الضريح كانت ستمنح سوريا الجديدة فرصة لإعلان قطيعة رمزية مع إرث نظام الأسد في لبنان. لكن الدلالة لم تتوقف عند الضريح. فبرنامج أولي متداول قبل وصول الشيباني كان يتضمن لقاءً مع النائبة السابقة بهية الحريري، إلا أن اللقاء لم يحصل، كما لم يُعلن خلال الجولة عن أي اجتماع مع فرد من عائلة الحريري. وتحدثت معلومات صحافية عن إلغاء المحطة في اللحظات الأخيرة، من دون صدور توضيح رسمي يشرح أسباب تعديل البرنامج. أما سعد الحريري، الذي أعلن في شباط 2026 أنه كان ينوي زيارة سوريا قبل أن تؤجل الظروف الإقليمية موعدها، فلم يلتقِ حتى الآن الرئيس أحمد الشرع. وبحسب معلومات خاصة بـ”ليبانون ديبايت”، لم يتلقَّ الحريري دعوة رسمية من القيادة السورية، رغم إعلانه أن “تيار المستقبل” سيعود إلى خوض الانتخابات بعد 4 سنوات من تعليق نشاطه السياسي الشخصي. ولا تكفي أي واحدة من هذه الوقائع منفردة للقول إن دمشق قررت استهداف الحريرية أو الدخول في مواجهة معها. فقد يكون غياب التواصل نتيجة طبيعية لانكفاء سعد الحريري عن العمل السياسي المباشر، فيما اختارت القيادة السورية التعامل مع المسؤولين الموجودين في السلطة والمؤسسات الفاعلة على الأرض. لكن اجتماع هذه الوقائع مع مسار سياسي وقضائي ومؤسساتي متصاعد يطرح سؤالاً مشروعاً: هل تعيد دمشق بناء نفوذها في لبنان من دون المرور ببيت الوسط؟ المسار الأوضح يمر عبر رئاسة الحكومة. فالعلاقة بين بيروت ودمشق لم تبقَ محصورة بالزيارات والتصريحات، بل انتقلت إلى إطار مؤسساتي واسع مع توقيع نواف سلام والشيباني اتفاقية إنشاء “اللجنة العليا اللبنانية–السورية المشتركة”. وتضع الاتفاقية إطاراً للتنسيق في الشؤون السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والقضائية والأمنية، إضافة إلى ملفات الحدود والطاقة والنقل والتعليم والاتصالات. كما تتيح إنشاء لجان قطاعية، ومتابعة الاتفاقيات والترتيبات الثنائية، واقتراح تعديلها أو تطويرها. وتمنح هذه الصيغة رئيس الحكومة اللبنانية موقعاً أساسياً في إدارة العلاقة مع دمشق، وهو الموقع نفسه الذي شكّل تاريخياً أحد مصادر قوة الحريرية السياسية ودورها في إدارة علاقات لبنان العربية. إلا أن الفارق هذه المرة هو أن نواف سلام، لا سعد الحريري، يقف في قلب الشبكة الجديدة التي تنسجها سوريا مع الدولة اللبنانية. وقد تطورت العلاقة بين سلام والشرع عبر زيارات واجتماعات تناولت الحدود والاقتصاد والطاقة والتنسيق الأمني. وبهذا المعنى، لا تحتاج دمشق إلى البحث عن حليف سني تقليدي، على الطريقة التي اعتمدها نظام الأسد، ما دامت قادرة على بناء علاقة مباشرة مع رئيس الحكومة والمؤسسات الرسمية. ومن السياسة، انتقل الحضور السوري إلى مساحة أكثر حساسية هي القضاء. فمنذ مطلع عام 2026، تكررت لقاءات القائم بأعمال السفارة السورية إياد الهزاع مع النائبَين العامَّين التمييزيَّين في لبنان، بداية مع القاضي جمال الحجار، ثم مع خلفه القاضي أحمد رامي الحاج. ففي آذار، بحث الهزاع مع الحجار تنفيذ اتفاقية نقل المحكومين الموقعة بين البلدين. وبعد تولي الحاج منصبه، زاره الهزاع مرتين في قصر العدل، قبل أن يزور الحاج السفارة السورية في 18 تموز، حيث نوقشت ملفات المحكومين السوريين واللبنانيين المحتمل وجودهم في السجون السورية، وإمكان تطوير الاتفاقيات القضائية بين البلدين. وهكذا، لم تعد السفارة السورية تكتفي بإدارة التواصل الدبلوماسي، بل أصبحت حاضرة في ورشة قضائية تشمل المحكومين والموقوفين والمطلوبين وسائر الملفات المشتركة بين بيروت ودمشق. وبحسب معلومات خاصة بـ”ليبانون ديبايت”، قدّم الجانب السوري إلى جهات لبنانية لوائح تضم أسماء عدد كبير من الشخصيات التي تتابع دمشق ملفاتها. ثم جاء ملف اللواء السوري السابق عادل عيسى ليقدّم أول نموذج عملي لانتقال هذا التنسيق من الاجتماعات وتبادل المعلومات إلى تنفيذ طلب استرداد. ففي مطلع آب، قصد عيسى السفارة السورية في بيروت لإنجاز معاملة إدارية، فأبلغت السفارة السلطات اللبنانية بوجوده، قبل أن توقفه المباح