أثار قرار المجلس الدستوري الأخير المتعلق بقانون العفو العام جدلا قانونيًا واسعًا، ولا سيما لجهة التفسيرات التي أوردها المجلس في قراره تحت مسمى "التحفظات التفسيرية"، والتي اعتبر أنها ملزمة للجميع. وقد انقسمت الآراء بشأن هذه المسألة بين اتجاه يرى أن المجلس الدستوري تجاوز حدود صلاحياته عندما أعطى تفسيرات ملزمة للنصوص القانونية، معتبرًا أن ذلك يشكل تعديًا على صلاحية مجلس النواب في التشريع، وعلى صلاحية القضاء العادي في تفسير القوانين وتطبيقها، واتجاه آخر يرى أن تفسير النصوص القانونية يدخل ضمن صلاحيات المجلس الدستوري، وأن التفسيرات التي يعتمدها في قراراته تتمتع بالقوة الإلزامية. وأمام هذا الانقسام، لا بد من إبداء جملة من الملاحظات القانونية التي من شأنها إزالة الالتباس الحاصل، وتحديد طبيعة الصلاحية التي يمارسها المجلس الدستوري في هذا المجال، والضوابط التي تحكم ممارستها. أولا: المهمة الأساسية للمجلس الدستوري هي التحقق من دستورية القوانين وليس تفسيرها من المتفق عليه أن المهمة الأساسية للمجلس الدستوري، عند نظره في الطعن المقدم أمامه بشأن دستورية قانون معين، تتمثل في التحقق من مدى توافق أحكام هذا القانون مع أحكام الدستور. فموضوع الطعن الدستوري ينحصر في مسألة محددة، هي معرفة ما إذا كان القانون المطعون فيه يتعارض مع الدستور أم يتوافق معه. وتبعًا لذلك، فإن الغاية النهائية من نظر المجلس الدستوري في الطعن هي الوصول إلى إحدى نتيجتين: إما إبطال النص القانوني لمخالفته الدستور، وإما الإبقاء عليه لثبوت توافقه مع أحكامه. وعليه، فإن المجلس الدستوري ليس جهة أُنيطت بها مهمة تفسير القوانين لذاتها، وإنما جهة أُنيطت بها مهمة الرقابة على دستوريتها. وهذا التمييز يشكل نقطة الانطلاق الأساسية لفهم طبيعة الصلاحيات التي يمارسها المجلس وحدودها. ثانيًا: التفسير وسيلة للتحقق من الدستورية وليس غاية قائمة بذاتها لا خلاف في أن المجلس الدستوري قد يحتاج، أثناء ممارسته الرقابة على دستورية القوانين، إلى الاستعانة بجملة من الوسائل والأدوات القانونية التي تمكنه من إنجاز المهمة الموكلة إليه. ومن بين هذه الوسائل تفسير النص القانوني المطعون في دستوريته. غير أن الإقرار بحق المجلس الدستوري في اللجوء إلى التفسير لا يعني أن تفسير القوانين يشكل مهمة مستقلة قائمة بذاتها، بل يعني أن التفسير قد يكون وسيلة ضرورية يلجأ إليها المجلس عندما يتعذر عليه التحقق من دستورية النص من دون الوقوف أولا على معناه الحقيقي. وبعبارة أخرى، فإن التفسير بالنسبة إلى المجلس الدستوري هو وسيلة وليس غاية، أما الغاية فهي التحقق من دستورية القانون. ومن هنا، فإن مشروعية لجوء المجلس الدستوري إلى تفسير النصوص القانونية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالغاية التي من أجلها مُنح صلاحية الرقابة على دستوريتها. فلا يجوز أن يتحول التفسير من وسيلة مساعدة على ممارسة هذه الرقابة إلى مهمة مستقلة يمارسها المجلس بمعزل عن مقتضياتها. ثالثًا: ممارسة المجلس الدستوري لصلاحية التفسير محكومة بضوابط قانونية إن إقرار حق المجلس الدستوري في تفسير النصوص القانونية المطعون في دستوريتها لا يعني إطلاق يده في ممارسة هذه الصلاحية، وإنما يقتضي إخضاعها لجملة من الضوابط القانونية التي تحكم عملية التفسير، سواء مارسها القاضي الدستوري أم غيره من القضاة. 1- أن يكون النص القانوني غامضًا ويحتاج إلى تفسير إن أول الضوابط التي تحكم لجوء المجلس الدستوري إلى التفسير يتمثل في أن يكون النص القانوني المطعون في دستوريته غامضًا أو قابلا للتأويل، بحيث يتعذر الوقوف على معناه الحقيقي من دون تفسيره. ذلك أن ثمة قاعدة قانونية وفقهية مستقرة مفادها أنه "لا اجتهاد في معرض النص الصريح". ولما كان التفسير شكلا من أشكال الاجتهاد، فإن اللجوء إليه لا يكون مبررًا عندما يكون النص واضحًا وصريحًا ولا يحتمل التأويل. وهذه القاعدة لا تقتصر على القضاء العادي، بل تسري أيضًا على القضاء الدستوري، باعتبار أن عملية تفسير النصوص القانونية تخضع لأصول وقواعد عامة يتعين على جميع الجهات القضائية احترامها. وعليه، لا يكون من مبرر للجوء المجلس الدستوري إلى تفسير النص القانوني إلا عندما يشوبه غموض يحول دون التحقق من مدى توافقه مع أحكام الدستور. 2- التقيد بالقواعد والأصول القانونية التي ترعى تفسير النصوص إن تفسير النصوص القانونية ليس عملية تقديرية مطلقة تخضع لقناعات القاضي الشخصية أو أهوائه، وإنما هو عملية قانونية لها أصولها وقواعدها التي يتعين التقيد بها. وهذه القواعد مستمدة من النصوص التشريعية والمبادئ القانونية العامة وما استقر عليه الفقه والاجتهاد، وقد كُرّس بعضها في قانون أصول المحاكمات المدنية. ولا يختلف الأمر في هذا المجال بين القاضي الدستوري وبين غيره من القضاة، فكلاهما ملزم باح