لم يعد إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل ترفاً سياسياً، بل اختباراً لجدية الدولة في حماية الحريات واستعادة قرارها، إذ كشفت قضية السفيرة ندى حمادة معوض والأحكام بالسجن 15 عاماً بحق إعلاميين وناشطين عن الحاجة إلى مراجعة منظومة تشريعية وقضائية تتداخل فيها تهم التعامل مع التضييق على التعبير، ويتيح هذا الالتباس لـ"حزب الله" وحلفائه ترهيب المعارضين، فيما يخشى مغتربون تحول عودتهم إلى مغامرة قضائية. على رغم كل التحولات التي عصفت بلبنان والمنطقة، لا يزال البلد أسير قوانين وضعت لعالم لم يعد موجوداً، وتحرسها طبقة سياسية تتعامل مع التشريع كأنه إرث لا تجوز مراجعته، وفي مقدمها قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955، الذي بات بقاؤه اختباراً لقدرة الدولة على مغادرة الماضي، ولمجلس نواب أصابه الترهل على إنتاج قوانين تناسب حاجات اللبنانيين، بدل إبقائهم تحت رحمة نصوص متخلفة تحاكي زمناً انقضى. فالقضية تتصل مباشرة بالحريات وبقدرة الدولة على تطوير سياساتها، وبحق اللبنانيين في مناقشة مستقبلهم من دون أن تتحول آراؤهم إلى ملفات اتهام. لبنان يحتاج إلى ورشة تشريعية تعيد تنظيم علاقته باقتصاده ومغتربيه وحرياته ومحيطه، فيما لا تزال تشريعات أساس فيه تعود لمنتصف القرن الماضي وما قبله، ومنها قانون الجمعيات الذي يرعى أيضاً العمل الحزبي، والموروث من زمن السلطة العثمانية والصادر عام 1909، وهذا يؤكد أن البرلمان اللبناني بات عجوزاً في أدائه، بطيئاً أمام التحولات، شديد الحساسية عندما يقترب الإصلاح من أدوات النفوذ والمحاصصة. والمشكلة أن هذا الجمود يخدم قوى اعتادت إدارة البلد بواسطة قوانين تستدعى عند الحاجة، ويتساهل في تطبيقها عندما تتعارض مع مصالح النافذين. قضية السفيرة اللبنانية لدى واشنطن ندى حمادة معوض كشفت عن حجم المأزق السياسي والقانوني في لبنان، إذ كانت رواية عن اتصال منسوب إليها بالسفير الإسرائيلي للاطمئنان إلى نجله كافية لتقديم إخبار وإحالته إلى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، وعلى رغم أن الإحالة لم تكن ادعاء فإن مجرد استخدام الرواية لفتح هذا المسار يؤكد أن الدولة مطالبة بإزالة الالتباس، لأن القرار السياسي لا يلغي قانوناً نافذاً، ومن غير المقبول أن تتحرك الدبلوماسية إلى الأمام فيما تترك خلفها أدوات يستطيع المعترضون استخدامها لإرباكها. فحرية المسؤولين في تنفيذ مهامهم الدستورية جزء من سيادة الدولة، ولا يجوز أن يصبح ممثلوها رهائن حملات تستهدف السياسة التي كلفوا تنفيذها. أما المواطن الذي لا تحميه صفة رسمية، فقصته أشد قسوة. في مايو (حزيران) الماضي، صدر عن المحكمة العسكرية حكم غيابي بالسجن 15 عاماً بحق الكاتب والأكاديمي أحمد ياسين المقيم في باريس والناشطة جمانة جبارة، وشملت الاتهامات التحريض على قصف قلعة بعلبك في قضية ياسين، والإشادة بقصف مواقع لـ"حزب الله" في قضية جبارة، وذلك على رغم نفي ياسين الدعوة إلى استهداف القلعة وكذلك نفي جبارة التواصل الخاص مع المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، وكذلك أصدرت المحكمة العسكرية حكماً غيابياً بالأشغال الشاقة 15 عاماً بحق ماريا معلوف، في ملف تضمن اتهامات بالخيانة واستدعاء عدوان ومخالفة أحكام الاتصال والتطبيع، وهذه الأحكام التي لا تستند جميعها إلى قانون المقاطعة وحده، بل تتداخل فيها مواد من قانون العقوبات، تكشف عن اتساع المشكلة وخطورة اختزال معالجتها بإقفال ملف فردي أو تسوية قضية بعينها. وهذا يجعل المطلوب مراجعة المنظومة كاملة، بما فيها محاكمة المدنيين عسكرياً، وضمانات الدفاع وتناسب العقوبات، فأحكام بـ15 عاماً في قضايا تتنازع فيها الأطراف توصيف الكلام وحدوده، تفرض تدقيقاً صارماً في الفارق بين رأي سياسي ومقابلة صحافية وتحريض جرمي مثبت، فحين تختلط هذه الأفعال يصبح الاتهام أداة ترهيب، ويغدو المغترب مضطراً إلى حساب كلماته وعلاقاته خشية أن تتحول عودته للبنان إلى مغامرة قضائية. وهنا يجد "حزب الله" وحلفاؤه مصلحة في بقاء الالتباس، إذ يسهل التشهير بالخصم متى أمكن تصوير اعتراضه على الحزب باعتباره اعتداء على الوطن، ولا بد من طي مرحلة توظيف التهم وفق هوية الخصم، الإرهاب لترهيب معارضين من البيئة السنية والعمالة لإسرائيل لترهيب معارضين مسيحيين مع امتداد التخوين إلى سائر البيئات، وأي شبهة بفبركة ملف تستوجب تحقيقاً ومحاسبة لأن استخدام القضاء لتصفية الخصومات يضرب شرعية الدولة، ويمنح الجريمة الحقيقية فرصة الاختباء وسط الاتهامات السياسية. أما الصحافة والتواصل المدني والدعوة إلى السلام فلا يجوز التعامل معها كأدلة جاهزة على العمالة، والمعيار الوطني يجب أن يكون واحداً، تسليم أسرار لبنان أو مساعدة دولة أجنبية على الاعتداء عليه يستوجب المحاسبة، سواء كانت الجهة المستفيدة إسرائيل أو إيران أو غيرهما. وفي الاقتصاد، يمتد أثر قانون مقاطعة إسرائيل إلى شركات أجنبية