أوضح البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، أنّ "لبنان مدعوًا إلى أن يكون أرض لقاء لا ساحة صراع، ووطن عيش مشترك لا ميدان انقسام". كلام الراعي جاء خلال ترؤسه قداسا احتفاليا، لمناسبة اليوبيل الـ400 سنة على حضور الرهبنة الكبّوشيّة في لبنان والشرق الأدنى في كاتدرائيّة مار لويس للرهبنة الكبّوشيّة- باب إدريس. وبعد تلاوة الانجيل المقدس ألقى الراعي عظة بعنوان "المدعوّون كثيرون، أمّا المختارون فقليلون" قال فيها: "نجتمع اليوم هنا، في كاتدرائية مار لويس للآباء الكبوشيين في بيروت، لنرفع الشكر إلى الله في يوبيل الأربعمئة سنة على حضور الآباء والإخوة الكبوشيين في لبنان والشرق الأدنى، وقد اتّخذوا شعارًا ليوبيلهم: "الذي بدأ فيكم عملًا صالحًا سيتمّه" (فل 1: 6). إنّها أربعة قرون من الصلاة والرسالة والخدمة والشهادة". اضاف: "الرهبنة الكبوشية هي غصن من الشجرة الفرنسيسكانية التي غرسها القديس فرنسيس الأسيزي بروح الإنجيل والفقر والبساطة والأخوّة. وقد نالت الحركة الإصلاحية الكبوشية اعتراف الكنيسة سنة ١٥٢٨، حاملةً رغبةً في العودة إلى روح القديس فرنسيس الأصيلة. في سنة ١٦٢٦ وصل إلى صيدا رهبان كبوشيون فرنسيون، واتخذوا من خان الإفرنج منطلقًا لرسالتهم. لم يأتوا إلى أرض غريبة عن الإيمان، بل التقوا كنيسةً مارونية متجذّرة في هذه الأرض. وكان البطريرك يوحنا مخلوف على الكرسي البطريركي في قنوبين، وقد شجّع حضور الإرساليات الرهبانية وسهّل خدمتها للكنيسة والمؤمنين". وتابع الراعي: "من صيدا اتسعت الرسالة. فوصل الكبوشيون إلى بيروت سنة 1628، ثم امتد حضورهم إلى حصرون وطرابلس وغزير وعبيه وصليما وبعبدات وغيرها من المناطق اللبنانية. كان انتقالهم للرسالة، فحيث وُجد الجهل حملوا التعليم، وحيث وُجد المرض حملوا العناية، وحيث وُجد الفقر حملوا الخدمة، وحيث وُجد الحزن حملوا الرجاء. في طرابلس خدموا الجماعات المسيحية، وفي غزير اهتموا بالتنشئة الروحية والتعليم، وفي عبيه عاشوا خدمة الفقراء والأيتام، وفي صليما ارتبط حضورهم بالعناية بالمرضى، ومن هناك امتدت خدمتهم إلى بعبدات ومناطق أخرى. وهم كاهن يعلّم، وراهب يصلّي، وأخ يخدم فقيرًا. كاتدرائية مار لويس هذه كانت علامة الحضور الكبوشي واللاتيني في العاصمة بيروت، وبقيت شاهدةً على إيمان لا تطفئه الصعوبات. من هذه المدرسة تخرج الطوباوي الأب يعقوب الحداد الكبوشي، من غزير، رجل العناية الإلهية ورسول الصليب والمحبة، الذي جعل من محبته للمسيح خدمةً للمرضى والفقراء والمتروكين، وأسّس سنة 1930 جمعية راهبات الصليب الفرنسيسكانيات في لبنان، وأقام مؤسسات ومدارس ومستشفيات حملت الرحمة إلى كثيرين، وقد أعلنت الكنيسة تطويبه سنة 2008. ومن قلب الرسالة الكبوشية اللبنانية أيضًا خرج الطوباويان ليونار ملكي وتوما صالح، من بعبدات، اللذان حملا الإنجيل إلى أرض الرسالة وثبتا في إيمانهما حتى الاستشهاد خلال سنوات الاضطهاد والحرب العالمية الأولى، وقد أعلنت الكنيسة تطويبهما في لبنان سنة 2022. مع هؤلاء الطوباويين نقف اليوم أمام أجيال كثيرة من الآباء والإخوة الكبوشيين الذين تعاقبوا على الخدمة في لبنان. فنذكر الذين وعظوا وعلّموا، والذين خدموا المرضى، والذين اهتموا بالفقراء والأيتام، والذين خدموا في الرعايا والمدارس والمؤسسات، والذين احتملوا الحروب والجوع والتهجير" . ولفت إلى أن "منذ أربعة قرون، سمع رجال دعوة الله. فتركوا أوطانهم وأهلهم وراحتهم، وجاؤوا إلى أرض لم يعرفوا ما ينتظرهم فيها. دُعوا فلبّوا، وأُرسلوا فذهبوا، وتعبوا فثبتوا، واضطُهد بعضهم فلم يتراجع، ورحل آخرون وبقيت الرسالة. نسأل الله أن يبقى الحضور الكبوشي في لبنان حضورًا للإنجيل، حضورًا للفقر والبساطة، للأخوّة والخدمة، للمصالحة والمحبة والسلام". وقال الراعي، إنّ "مثل وليمة العرس التي سميناها في الانجيل هي دعوة إلى تجديد القلب والحياة. فالله يفتح أبواب ملكوته للجميع، من دون تمييز، لكنه ينتظر من الإنسان إيمانًا صادقًا يثمر في أعماله وسلوكه. ولباس العرس علامة الإنسان الجديد، الذي يلبس المسيح، ويعيش المحبة والتواضع والرحمة، ويجعل من حياته شهادةً للإنجيل. لقد أصبح لباس العرس في حياة الكبوشيين لباس الخدمة والتواضع والمحبة؛ لباسًا لا يُرى بالعين، بل يُعرف من الثمار. لا يدعونا هذا اليوبيل إلى الافتخار بالماضي فحسب، بل إلى تجديد أمانتنا اليوم. فالكنيسة لا تحيا بتاريخها وحده، بل بأبنائها الذين يواصلون الاستجابة لنداء المسيح، ويجعلون من إيمانهم شهادةً حيّة في العالم. تدعونا كلمة الرب: إنَّ المدعوّين كثيرون، أمّا المختارون فقليلون، إلى التأمل في معنى المسؤولية تجاه وطننا وشعبنا. فالمسؤولية تظهر في الخدمة والعمل وتقديم خير الإنسان والوطن على المصالح الخاصة. إنّنا نضع في مقدمة اهتماماتنا الحفاظ على الحضور المسيحي في