شدّد البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي على أن حصر السلاح تحت سلطة الدولة وتعزيز الجيش والقوى الأمنية يشكّلان ركيزتين أساسيتين لقيام دولة قادرة على حماية أرضها وشعبها وحدودها، مؤكداً ضرورة توفير مقومات بقاء اللبنانيين في أرضهم، وإعادة إعمار المناطق المتضررة، والحفاظ على الحضور المسيحي في لبنان والشرق. وحذّر الراعي من تزايد بيع الأراضي تحت وطأة الظروف الاقتصادية الصعبة، معتبراً أن الأرض «ليست مجرد ملكية مادية، بل هي ذاكرة وجذور وهوية». وجاءت مواقف الراعي خلال ترؤسه قداساً احتفالياً في كاتدرائية مار لويس للرهبنة الكبوشية في باب إدريس، وسط بيروت، لمناسبة مرور 400 عام على حضور الرهبنة الكبوشية في لبنان والشرق الأدنى. وشارك في القداس المطرانان بولس مطر وإلياس نصار، والرئيس الإقليمي لرهبنة الإخوة الكبوشيين الأصاغر في لبنان الأب إيلي رحمه، وأمين سر البطريركية المارونية الأب فادي تابت. وحضر الاحتفال وزير الدفاع ميشال منسى ممثلاً رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، والسفير الفرنسي باتريك دوريل، وممثل السفارة الإيطالية المستشار لويجي بوتشيري، إلى جانب عدد من المطارنة والرؤساء العامين والإقليميين للرهبانيات والكهنة والرهبان والراهبات، وممثل الرئيس العام للرهبنة الكبوشية الأخ ليون بودو. وتولت جوقة جامعة سيدة اللويزة، بقيادة الأب خليل رحمة، خدمة القداس. الراعي: الدولة مطالبة بتوفير أسباب البقاء وفي عظته التي حملت عنوان «المدعوون كثيرون، أما المختارون فقليلون»، أكد الراعي أن المسؤولية الوطنية تتجلى في الخدمة والعمل وتقديم مصلحة الإنسان والوطن على المصالح الخاصة. وقال: «إننا نضع في مقدمة اهتماماتنا الحفاظ على الحضور المسيحي في لبنان والشرق، باعتباره جزءاً أصيلاً من هوية المنطقة ورسالتها وتنوعها». وربط هذا الحضور بالتمسك بالأرض وعدم التفريط بها، ولا سيما في ظل ما وصفه بتزايد بيع الأراضي نتيجة الضغوط الاقتصادية. وأشار إلى تشديد البابا لاوون الرابع عشر على ضرورة صون الحضور المسيحي في الشرق، ومساندة الشباب والعائلات الذين تدفعهم الأزمات الاقتصادية إلى الهجرة، من خلال توفير مقومات بقائهم في أرضهم. وأضاف أن الحفاظ على هذا الحضور يقتضي من الدولة توفير فرص العمل والتعليم والسكن والطبابة، واستعادة ثقة اللبنانيين بمؤسساتها، وترسيخ مرجعيتها الواحدة في حماية الجميع. وفي هذا السياق، شدّد على أن «حصر السلاح تحت سلطة الدولة، وتعزيز الجيش والقوى الأمنية، من مقومات قيام دولة قادرة على حماية أرضها وشعبها وحدودها». إعادة الإعمار وعودة العائلات وأكد الراعي أن إعادة إعمار ما تهدّم وعودة العائلات إلى بيوتها وقراها مسؤولية وطنية وإنسانية. وقال إنه لا يمكن تثبيت الناس في أرضهم من دون إعادة مقومات الحياة إليها، ولا الحديث عن البقاء في ظل غياب فرص العمل والإعمار والشعور بالأمان. وشدّد كذلك على أهمية الدبلوماسية اللبنانية والعلاقات مع المجتمع الدولي لتحصين موقع لبنان وتأمين الدعم لمؤسساته والدفاع عن مصالحه، داعياً إلى ترجمة هذه العلاقات إلى نتائج ملموسة تعزز الاستقرار والتعافي. وأكد أن لبنان مدعو إلى أن يكون «أرض لقاء لا ساحة صراع، ووطن عيش مشترك لا ميدان انقسام». وفي الجانب الروحي والتاريخي من عظته، استعاد الراعي مسيرة الرهبنة الكبوشية التي بدأت في لبنان عام 1626، مع وصول رهبان كبوشيين فرنسيين إلى صيدا واتخاذهم من خان الإفرنج منطلقاً لرسالتهم. وأشار إلى أن الحركة الإصلاحية الكبوشية نالت اعتراف الكنيسة عام 1528، وأن البطريرك يوحنا مخلوف شجّع حضور الإرساليات الرهبانية وسهّل خدمتها للكنيسة والمؤمنين. وأوضح أن الرسالة الكبوشية انتقلت إلى بيروت عام 1628، ثم امتدت إلى حصرون وطرابلس وغزير وعبيه وصليما وبعبدات ومناطق لبنانية أخرى، حيث انخرط الرهبان في التعليم والعناية بالمرضى وخدمة الفقراء والأيتام. وتوقف عند سيرة الطوباوي الأب يعقوب الحداد الكبوشي، الذي أسّس جمعية راهبات الصليب الفرنسيسكانيات في لبنان عام 1930، وأقام مؤسسات ومدارس ومستشفيات لخدمة المحتاجين، قبل إعلان تطويبه عام 2008. كما استذكر الطوباويين ليونار ملكي وتوما صالح، اللذين استشهدا خلال سنوات الاضطهاد والحرب العالمية الأولى، وأعلنت الكنيسة تطويبهما في لبنان عام 2022. وأكد أن اليوبيل لا يشكّل مناسبة للافتخار بالماضي فحسب، بل دعوة إلى تجديد الالتزام بالخدمة والتواضع والمحبة والمصالحة والسلام. رسالة الرئيس العام للرهبنة الكبوشية وقبل اختتام القداس، تُليت رسالة الرئيس العام لرهبنة الإخوة الأصاغر الكبوشيين الأب روبرتو جينوين، الذي اعتذر عن عدم تمكنه من المشاركة شخصياً في الاحتفال بسبب التزامات مرتبطة بخدمته، موضحاً أنه أوفد المستشار العام الأخ ليون بودو لتمثيله وتمثيل المجلس العام