يدخل لبنان مرحلة جديدة من الترقب السياسي والأمني، في ظل استمرار التصعيد الإسرائيلي على الجنوب، وتعثر المساعي الدبلوماسية الرامية إلى تثبيت الاستقرار وتنفيذ اتفاق الإطار، بالتزامن مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية والاستحقاق الانتخابي الأميركي. وبين استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية والمخاوف من تجدّد المواجهة مع إيران، تتزايد الضغوط على الدولة اللبنانية وحزب الله، فيما لم تنجح المحادثات العسكرية التي استضافتها القيادة المركزية الأميركية في تامبا في تحقيق اختراق يتيح الانتقال إلى خطوات تنفيذية واضحة. وتزداد تعقيدات المشهد مع تمسك إسرائيل بالبقاء في المناطق التي تحتلها، ورفضها، وفق معلومات صحافية، وجود قوة دولية بديلة عن اليونيفيل، ما يضع مستقبل الترتيبات الأمنية في الجنوب أمام مزيد من الغموض. داخلياً، تبدو الأزمة السياسية مرشحة للاستمرار رغم تجاوز الحكومة الخلاف الأخير بشأن إحالة ملف المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر ومنطقة القصر إلى المجلس العدلي. فتأجيل المواجهة داخل مجلس الوزراء لم يعالج الأسباب التي أدت إليها، وفي مقدمها الخلاف حول سلاح حزب الله وحدود سلطة الدولة. ويأتي ذلك فيما تتواصل الاتصالات الدبلوماسية، ولا سيما القطرية والفرنسية، لاستطلاع مواقف الأطراف من التطورات الإقليمية المحتملة وانعكاساتها على لبنان. وفي خضم هذه التطورات، برزت مواقف رئيس الجمهورية جوزاف عون من طرابلس، حيث أعاد التأكيد على حصرية السلاح بيد الجيش، محذراً من أن الانقسام وإضعاف الدولة لا يوفران الحماية لأي مكوّن لبناني. ويأتي هذا الموقف في مرحلة تسعى فيها الرئاسات الثلاث إلى منع انتقال الخلافات السياسية إلى مواجهة داخلية، فيما تواجه الدولة تحدي التوفيق بين استعادة سلطتها والتعامل مع الضغوط الخارجية، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وغياب ضمانات لتنفيذ الاتفاقات القائمة. عون: حصرية السلاح وحماية الوحدة الداخلية من طرابلس، شدّد رئيس الجمهورية على ضرورة تجاوز الحسابات السياسية الضيقة وتحصين الوحدة الوطنية بالممارسة واحترام الحقوق والواجبات. وأكد أن بناء الدولة وتعزيز سلطتها مسؤولية وطنية جامعة، وأن الدولة ليست ملكاً لفئة أو طائفة أو فريق، بل مرجعية مشتركة لجميع اللبنانيين. وتكتسب هذه المواقف أهميتها في ضوء التوترات الأخيرة بين الحكومة وحزب الله، ولا سيما أن الخلاف حول حصرية السلاح بات مرتبطاً بالمسار التفاوضي مع إسرائيل. وفي حين تتمسك الدولة بضرورة استعادة قرار الحرب والسلم، لا يزال الحزب يرفض التخلي عن سلاحه، ما يبقي هذا الملف في صدارة التحديات التي تواجه السلطة. ولم تقتصر زيارة عون إلى طرابلس على الجانب السياسي، إذ شدّد على أن الدولة مطالبة باستعادة ثقة المواطنين من خلال الخدمات والإنماء وتعزيز حضور المؤسسات. ومن قصر العدل، أكد ترابط القضاء والأمن وضرورة استقلالية القضاء ومكافحة الفساد، فيما تناول خلال زيارته مرفأ طرابلس فرص تطويره، بعد انضمامه إلى مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا. وأكد أن المدينة قادرة على أداء دور اقتصادي أساسي، شرط توافر الإرادة والإدارة والاهتمام الرسمي. إسرائيل ترفض الانسحاب ولا توقف التصعيد ميدانياً، شهد الجنوب غارات جوية استهدفت كفرتبنيت ووادي الحجير، إلى جانب عمليات تفجير في يحمر الشقيف والطيبة والخيام، واستمرار أعمال التجريف وشق الطرق العسكرية في عدد من المناطق، حيث تستمر إسرائيل في فرض وقائع ميدانية جديدة، بالتوازي مع غياب أي مؤشرات إلى استعدادها لتغيير انتشار قواتها. وفي تطور يرتبط بمستقبل الترتيبات الأمنية، أفادت معلومات صحافية بأن إسرائيل أبلغت الأمم المتحدة رفضها الانسحاب من لبنان، ومعارضتها تشكيل قوة دولية بديلة عن اليونيفيل بعد انتهاء ولايتها. ووفق المعلومات نفسها، تتمسك إسرائيل بالتنسيق المباشر مع الجيش اللبناني، وتطرح الاستعانة بشركات أمنية خاصة لتنفيذ مهام المراقبة. ويزيد هذا الموقف من تعقيدات المرحلة المقبلة، خصوصاً أن لبنان يتمسك بوجود إطار دولي يضمن مراقبة تنفيذ الالتزامات من الجانبين. كما أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية يضعف قدرة الدولة اللبنانية على تحقيق نتائج فعلية في ملف حصرية السلاح وترجمة المسار الدبلوماسي إلى خطوات على الأرض. وفي المقابل، أكدت اليونيفيل، بمناسبة يوم الأمم المتحدة، استمرار عملها في الجنوب حتى انتهاء ولايتها، مشددة على أن السلام يحتاج إلى تعاون والتزام من الأطراف المعنية. تامبا بلا اختراق والأزمة الداخلية مؤجّلة سياسياً، بقي الخلاف قائماً خلال محادثات تامبا حول آلية التحقق وطبيعة الإجراءات المطلوبة لتنفيذ اتفاق الإطار. وتتمسك إسرائيل بربط الانسحاب ووقف العمليات العسكرية بنزع سلاح حزب الله، فيما يطالب لبنان بتنفيذ الالتزامات الإسرائيلية ووضع آل