كلما ارتفع منسوب الخوف في لبنان، بدأ البحث عن موعد في روزنامة الآخرين. هل تقع الحرب قبل الانتخابات الإسرائيلية أم بعدها؟ هل يحتاج نتنياهو إلى تصعيد لتحسين موقعه، أم ينتظر نتائج الصناديق ليتحرّر من حساباتها؟ وماذا تريد واشنطن؟ وماذا ستقرّر طهران؟ أسئلة مشروعة في قراءة المنطقة، لكنها تصبح مشكلة حين تختصر سياستنا كلها. كأن لبنان لا يملك سوى مراقبة الآخرين، وكأن أقصى ما نستطيع فعله هو اختيار المحلّل الذي يتنبّأ بموعد الكارثة بدقة أكبر. لا أحد يستطيع الجزم بأن حرباً واسعة ستندلع قبل الانتخابات أو بعدها. يستطيع من يريد التصعيد أن يجد له مبرّراً انتخابياً، ويستطيع من يريد تأجيله أن يجد مبرّراً انتخابياً أيضاً. وحين تصلح الانتخابات لتفسير الاحتمال ونقيضه، يصبح الحذر من التنبؤ واجباً. لكن السؤال الذي يستحق أن نواجهه هو: ماذا يفعل لبنان في الحالتين؟ إذا وقع التصعيد قبل الانتخابات، ما خطتنا؟ وإذا تأجّل إلى ما بعدها، كيف نستثمر الوقت؟ أم أن الفرق الوحيد سيكون في موعد النزوح، وعدد الأيام التي تسبق خسارة بيت جديد؟ لقد اعتدنا تحويل الاستحقاقات الخارجية إلى مواعيد مؤجلة لحل أزماتنا. ننتظر انتخابات أميركية، ثم حكومة إسرائيلية، ثم جولة تفاوض مع إيران. وإذا انتهى استحقاق من دون انفراج، انتقلنا إلى الذي يليه. هكذا يستمر الانتظار، فيما تتراكم الخسائر التي لا تنتظر أحداً. لا يعود أهل القرى إلى بيوتهم لأن استطلاعاً إسرائيلياً تغيّر، ولا يُعاد بناء منزل على أساس ترجيحات تشكيل ائتلاف حكومي. يحتاج الناس إلى أمن يمكنهم الوثوق به، وإلى سلطة تعرف ماذا تريد وكيف تدافع عن مصالحهم. بالتأكيد، لبنان ليس معزولاً عن موازين القوى. إسرائيل تملك قدرة عسكرية هائلة، وللولايات المتحدة نفوذها، ولإيران حساباتها وأدواتها. إنكار ذلك تبسيط لا يفيد أحداً. لكن الاعتراف بوزن الخارج لا يقتضي التسليم بأن الداخل بلا مسؤولية أو قدرة على الفعل. هناك فرق بين دولة تفهم الظروف الخارجية لتبني سياستها، وسلطة تتخذ منها عذراً لعدم امتلاك سياسة. الأولى تبحث عن فرص وتجمع عناصر قوة، والثانية تشرح لمواطنيها، بعد كل كارثة، لماذا لم يكن في الإمكان تفاديها. وأولى مسؤولياتنا أن نحسم من يملك قرار الحرب والسلم. فلا يمكن أن نطالب العالم بالتعامل مع لبنان دولة كاملة السيادة، فيما تبقى داخل حدوده جهة مسلحة تستطيع وضعه أمام مواجهة لم تقرّرها مؤسساته. حصرية السلاح بيد الدولة، ودعم الجيش، ليسا شعارين منفصلين، بل شرطاً لحماية الناس، ولا سيما أبناء الجنوب الذين دفعوا أثماناً لا يجوز التعامل معها كمورد متجدّد للتضحيات. لا يستقيم أن تتحمّل الحكومة مسؤولية إنقاذ المواطنين، بينما يُحرم هؤلاء، عبر مؤسساتهم، من التأثير في القرار الذي يعرّض حياتهم للخطر، أو يبقى مستقبلهم معلّقاً على تقدير حزبي أو على حسابات خارجية. هذا لا يقدّم ضمانة بأن إسرائيل ستتوقف تلقائياً عن الاعتداء، ولا يعفيها من مسؤوليتها عن الاحتلال والتدمير واستهداف المدنيين. لكنه يمنح لبنان مرجعية واحدة تستطيع التفاوض والمطالبة والمحاسبة، ويعزّز قدرته على مواجهة العدوان سياسياً ودبلوماسياً وأمنياً، بدل إبقاء القرار موزّعاً بين مؤسسات تتحمّل النتائج وجهات تحتفظ بحق المبادرة. ومن هنا، لا يكفي إعلان دعم الجيش ثم تركه أمام مهمات تتجاوز إمكاناته، أو مطالبته بفرض سلطته مع المساومة على صلاحياته. دعمه يعني توفير الغطاء السياسي والموارد، وحسم مرجعيته، وإنهاء الاستثناءات التي تجعل تنفيذ القانون موضوع تفاوض كلما اقترب من سلاح حزب الله. وفي المقابل، على الدولة أن تثبت أن استعادة قرارها تنعكس حمايةً ورعايةً لمواطنيها. أهل الجنوب يحتاجون إلى خطة للعودة والإعمار، وتعويضات عادلة، وخدمات وفرص عيش. لا يجوز أن تطلب منهم الثقة ثم تتركهم أمام فراغ تستعيد عبره القوى نفسها نفوذها وحججها. كما نحتاج إلى دبلوماسية تعمل على أهداف واضحة: وقف الاعتداءات، والانسحاب الإسرائيلي، وضمان وصول المواطنين إلى أرضهم، وترتيبات تحقق تحمي الحقوق اللبنانية. الموقف الموحد والخطوات القابلة للتنفيذ يمنحان لبنان قدرة أكبر على طلب التزامات دولية ومتابعة تنفيذها. وهنا يبرز سؤال مصير الحكومة اللبنانية نفسها. هل تبقى قادرة على الحكم وتنفيذ قراراتها، أم تتحوّل إلى حكومة لإدارة الانتظار حتى تنضج تسوية خارجية؟ وهل يصبح بقاؤها مشروطاً بألّا تذهب بعيداً في ممارسة صلاحياتها، فيما يُسمح لغيرها بالذهاب بعيداً في تعريض البلد للخطر؟ يجب إنصاف أي خطوة تتخذها الحكومة لبسط سلطة الدولة، خصوصاً حين تواجه ضغوطاً واعتراضات من قوى اعتادت أن تكون فوق المساءلة. لكن ضبط السلاح، وتطبيق القانون، وحماية المواطنين، ليست خدمات إضافية؛ إنها أساس مسؤوليتها. ولا يجوز مساواة حكومة تحاول استعادة صلاحياتها بأخرى تخلّت