بين التهمة والحقيقة: هل كان التيار الوطني الحر غطاءً أم شريكاً في محاولة بناء الدولة؟ (المحامية جومانا سليلاتي) في الحياة السياسية اللبنانية، ثمة اتهامات تتكرر إلى درجة يظن معها الناس أنها تحولت إلى حقائق. ومن أكثر هذه الاتهامات تداولاً ذلك الذي يحمّل التيار الوطني الحر مسؤولية "تغطية" حزب الله، وكأن أزمة لبنان بكل تعقيداتها واختلالاتها تختصر في تفاهم سياسي واحد، وكأن مسار الدولة وانهيار مؤسساتها وتفشي الفساد نتج حصراً عن هذا التفاهم دون سواه. لكن بعيداً من المواقف المسبقة والانفعالات السياسية، يقتضي الإنصاف أن نتوقف أمام الوقائع وأن نطرح الأسئلة التي غالباً ما يتجنبها أصحاب الاتهامات الجاهزة. فهل التفاهم السياسي يعني التبعية؟ وهل مجرد التفاهم مع فريق سياسي يجعل الشريك مسؤولاً عن كل خياراته وقراراته؟ وإذا كان الجواب نعم، فهل يطبق هذا المعيار على الجميع أم على التيار الوطني الحر وحده؟ الحقيقة أن لبنان قام منذ نشأته على التسويات والتفاهمات والتحالفات المتبدلة. لم يكن هناك فريق سياسي واحد لم يتحالف في مرحلة من المراحل مع خصومه أو مع قوى تختلف عنه في الرؤية والمشروع. فالسياسة ليست زواجاً عقائدياً دائماً، بل إدارة للتوازنات ومحاولة لخلق مساحات مشتركة داخل مجتمع منقسم ومتعدد. عندما وقع التيار الوطني الحر تفاهمه مع حزب الله، لم يكن لبنان يعيش في ظروف طبيعية، بل في مرحلة انقسام حاد كاد أن يهدد وجود الدولة نفسها. يومها، رأى أصحاب هذا الخيار أن التواصل والحوار أكثر جدوى من القطيعة، وأن فتح قنوات التفاهم بين مكونات الوطن أفضل من تعميق الانقسامات. قد يتفق البعض مع هذا التقدير أو يختلفون معه، لكن تحويله إلى جريمة سياسية يبدو أمراً مختلفاً تماماً. فالفرق كبير بين القول إن التفاهم كان خياراً صائباً أو خاطئاً، وبين الادعاء أن التيار أصبح مسؤولاً عن كل سياسات حزب الله. الأول نقاش سياسي مشروع، أما الثاني فهو تبسيط مخل للحقيقة. ثم إن التجربة نفسها تثبت أن التيار لم يكن في يوم من الأيام نسخة عن حزب الله. فالخلافات بين الطرفين لم تكن سرية ولا هامشية، بل ظهرت مراراً في ملفات داخلية وسياسية ودستورية عديدة. ولو كان التيار مجرد غطاء أو واجهة، لما ظهرت هذه التباينات أصلاً، ولما شهد اللبنانيون مواقف متعارضة بين الطرفين في أكثر من محطة. وما يثير الاستغراب حقاً أن كثيرين يتعاملون مع التيار بمعيار لا يطبقونه على غيره. فالتواصل مع حزب الله يصبح "حكمة سياسية" عندما يقوم به فريق معين، ويتحول إلى "تغطية" عندما يقوم به التيار الوطني الحر. والتسويات تصبح ضرورة وطنية عندما يخوضها الآخرون، لكنها تصبح تهمة عندما يكون التيار جزءاً منها. وهنا يفقد النقاش موضوعيته ويتحول إلى صراع سياسي أكثر منه بحثاً عن الحقيقة. ولو أردنا اعتماد المنطق نفسه، لكان من الواجب تحميل جميع القوى السياسية اللبنانية مسؤوليات حلفائها وشركائها طوال العقود الماضية. ولوجب اعتبار كل من شارك في الحكومات المتعاقبة مسؤولاً عن كامل الفساد والانهيار الذي أصاب الدولة. لكن أحداً لا يفعل ذلك، لأن الجميع يدرك أن الواقع أكثر تعقيداً من هذه المعادلات المبسطة. لقد مرً على لبنان رؤساء وحكومات وكتل نيابية وأحزاب وقوى نافذة منذ نهاية الحرب الأهلية. شارك الجميع بدرجات متفاوتة في صناعة القرار الوطني، وشارك الجميع في إدارة الدولة والاستفادة من النظام السياسي القائم. لذلك يصبح من غير المنطقي أن يتم اختزال الأزمة اللبنانية كلها بفريق واحد، أو تحميل جهة واحدة وزر عقود من السياسات المتراكمة والأخطاء الجماعية. هل يعقل أن يكون الجميع على حق دائماً والتيار وحده على خطأ؟ وهل يعقل أن يكون جميع الآخرين أبرياء من المسؤولية فيما يتحمل التيار وحده نتائج الانهيار الذي شاركت في صنعه منظومة سياسية كاملة؟ إن منطق الأمور يقول إن الحقائق السياسية لا تبنى على الشعارات بل على الوقائع. والوقائع تؤكد أن التيار الوطني الحر، كغيره من الأحزاب اللبنانية، أصاب في بعض الخيارات وأخطأ في بعضها الآخر. أما تحويله إلى المتهم الدائم والسبب الوحيد للأزمات الوطنية، فليس تحليلاً سياسياً بقدر ما هو محاولة لصناعة رواية مريحة لمن يريد إعفاء الآخرين من مسؤولياتهم. يبقى أن الاختلاف مع التيار حق مشروع، وانتقاد سياساته حق طبيعي في أي نظام ديمقراطي. لكن العدالة تقتضي أن يكون النقد قائماً على وقائع لا على أحكام مسبقة، وعلى معايير واحدة لا معايير متعددة. فحين يصبح الحكم على الأشخاص والأحزاب سابقاً للوقائع، تتحول السياسة إلى محكمة لا تبحث عن الحقيقة، بل عن متهم جاهز تتحمل كتفاه أوزار الجميع. وربما لهذا السبب بالذات، لا يزال السؤال مطروحاً: هل المشكلة فعلاً في التيار الوطني الحر وحده، أم أن البعض وجد فيه الخصم المثالي الذي يمكن من خلاله إخفاء مسؤول