لم يمرّ شهرين بعد على انطلاق العام الدراسي، ودخلت المدرسة الرسمية غرفة العناية الفائقة، فيما يُفترض أن تكون السنة الدراسية قد دخلت مسارها الطبيعي. لكن بعض المدارس لا تزال تواجه سلسلة مشكلات، كان احدثها، افتتاح صفوف لا أساتذة فيها، وتضع تلامذة من مراحل تعليمية مختلفة في قاعة واحدة، فاختلطت المناهج وغابات حصص تعليمية والضحية الأولى... التلميذ. وهذه الصورة ليست سوى جانب من واقع أكثر تعقيداً. فنتائج الاختبارات الدولية، تثير القلق بشأن مستوى التحصيل التعليمي لدى التلامذة اللبنانيين، وسط معطيات تشير إلى أن أكثر من 66% من تلامذة الصف الثالث يقرأون بمستوى الصف الأول. وبين تراجع المكتسبات التعليمية والضغوط التي تثقل كاهل المدارس، يبدو أن الأزمة لم تعد تقتصر على تأمين مقعد دراسي، بل باتت تتصل بنوعية التعليم الذي يحصل عليه التلميذ، وبحقه في تلقيه ضمن بيئة سليمة. ولكن عن أي بيئة سليمة نتحدّث، والمشهد الفوضوي يتفاقم أكثر فأكثر في مدارس أخرى تحوّلت مبانيها إلى مساحات مشتركة بين التعليم والإيواء، بفعل النزوح المستمرّ. ففي مدرسة ابتهاج قدورة الرسمية مثلاً، عاينت "النهار" واقعاً تظهر فيه بوضوح مشكلات البنية التحتية، من الحمامات المهترئة والأعطال والروائح الكريهة، إلى طفح المجارير قرب الخيم التي تؤوي نازحين. وتُستخدم المرافق نفسها من النازحين والتلامذة، فيما يعبّر بعض الأهالي عن مخاوفهم من الاحتكاكات بين الأطفال في ظل غياب الظروف الملائمة للجميع. وإلى هذه المشكلات، تُضاف قرارات دمج مدارس في مبانٍ واحدة، بما يطرح أسئلة عن القدرة الاستيعابية، وظروف التعليم، ومدى توافر المساحات والموارد البشرية اللازمة لتلبية حاجات التلامذة. وما يثير الاستغراب أكثر هو غياب الأساتذة في بعض المدارس، وجمع صفّين مختلفين في قاعة واحدة. والسبب؟ انتظار إنجاز معاملات التعاقدن الذي كان من المفترض اتمام انجازه في الاول من تشرين الأول/اكتوبر، فكيف يُطلب من تلامذة متابعة مناهج مختلفة في الوقت نفسه، ومن أستاذ واحد تلبية حاجات تعليمية متباينة، فيما يمضي العام الدراسي وتُستهلك أيامه؟ وكيف نبدأ بعام دراسي جديد وعقود التعاقد لم تُوقّع بعد؟ وعود بالحلّ... لكن ماذا عن الوقت الضائع؟ في حديثها إلى "النهار"، وضعت وزيرة التربية ريما كرامي ملف الأساتذة المتعاقدين في سياق أوسع يتصل بطريقة إدارة المدرسة الرسمية وتوزيع مواردها، معتبرةً أن التحذيرات من الاختلالات في هذا النظام ليست جديدة، بل تعود إلى نحو عشر سنوات، حين بدأت جهات خارجية تدق ناقوس الخطر بشأن آليات الإدارة والاستثمار في التعليم الرسمي. وبحسب كرامي، فإن أحد المؤشرات الأساسية لفعالية إدارة المدارس هو نسبة الأساتذة إلى التلامذة، وهي نسبة متفاوتة في لبنان بين مدرسة وأخرى، إلى حدّ وجود مدارس يفوق فيها عدد الأساتذة عدد التلامذة. وضربت مثالاً بمدارس تضم 29 أستاذاً مقابل 17 تلميذاً، في مقابل مدارس تعاني نقصاً في الكادر التعليمي. وتوضح أن نحو 3500 أستاذ يعملون بعقود استثنائية على صناديق المدارس، نصفهم تقريباً مرتبط بتمويل الجهات المانحة، التي أبلغت الوزارة محدودية قدرتها على الاستمرار في تغطية النفقات السابقة، في ظل تزايد الاحتياجات الناجمة عن الأضرار والدمار والأزمات المتلاحقة. وفي الوقت نفسه، تؤكّد أنها سبق وتعهّدت للأساتذة الذين التقوها بألّا يُتركوا من دون حقوق، وأن يجري نقلهم إلى صيغة تعاقد أكثر انتظاماً. غير أن الانتقال إلى هذه الصيغة، وفق الوزيرة، يستلزم تحديد الحاجات الفعلية لكل مدرسة والاختصاصات والساعات المطلوبة، إذ لا يمكن طلب تعيين أستاذ من مجلس الخدمة المدنية من دون إثبات الحاجة إليه. وتقول كرامي إن وزارة التربية بدأت التحضير لهذه الخطوة منذ حزيران/يونيو الماضي، وأرسلت في الأول من تموز/يوليو توجيهات إلى إدارات المدارس للطلب من الأهالي تسجيل أبنائهم مبكراً، بما يسمح بإعداد خطة لتوزيع الأساتذة قبل انطلاق العام الدراسي، على غرار ما يحصل في المدارس الخاصة. لكنّ هذا المسار اصطدم، بحسب شرحها، بثقافة التسجيل المتأخر السائدة في المدارس الرسمية، حيث اعتادت عائلات تسجيل أبنائها مع بدء العام الدراسي، فضلاً عن تداعيات النزوح التي جعلت بعض الأهالي غير قادرين على حسم مكان تسجيل أبنائهم بين مناطق النزوح ومناطقهم الأصلية. لذلك، اختارت الوزارة إطلاق العام الدراسي تدريجياً اعتباراً من 15 أيلول/سبتمبر. حالياً، تشير كرامي إلى أن بيانات التلامذة أصبحت شبه مكتملة، مع توافر نحو 98% من الأسماء، وأن الوزارة تعمل على أساسها لتقييم الاحتياجات وإعادة توزيع الكادر التعليمي جغرافياً، لافتةً إلى أن بعض المناطق شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في أعداد التلامذة، وضربت مثالاً بصيدا، حيث ارتفع عدد التلامذة من 300 إلى 500، ما يفرض تعديلات في توزيع الأساتذة وس