ما الذي يجمع منحوتة مستوحاة من تفاصيل الطبيعة بقلادة من ذهب صيغت في محترف إيطالي؟ في دبي، جاورت منحوتتان للفنانة والمصمّمة اللبنانية لميس عكر مجوهرات دار "بوميلاتو"، في لقاء جمع عالمين يختلفان في المواد والأحجام، ويلتقيان عند العناية بالشكل واللون والتفاصيل. جاءت عكر حاملةً شيئاً من اكتشافاتها في الطبيعة، حيث اعتادت أن تقترب بعدستها من الأزهار والفطر والطحالب، فتجد في تكويناتها الصغيرة ما يثير خيالها ويدفعها إلى ابتكار أشكال جديدة. تقول عكر لـ"النهار"، في عبارة تختصر حكاية "Unseen Murmurs"، مجموعتها النحتية الأحدث التي قدّمت منها عملَيْن خلال فعاليّة "The Art of Iconic Craftsmanship"، التي نظّمتها دار المجوهرات الإيطالية "بوميلاتو"، بالتعاون مع "أحمد صديقي"، في 22 تشرين الأول/أكتوبر 2026، داخل مساحة "Isola Space" بدبي.جمعت الفعالية أعمال خمس جهات تصميمية تقودها نساء من المنطقة، إلى جانب مجوهرات مجموعة "Iconica"، ضمن اختيار أُعدّ بالتعاون مع الممثلة التركية وسفيرة الدار هاندا أرتشيل. لطالما أثارت الطبيعة فضول عكر، لكنّ الاقتراب منها بعدستها غيّر الطريقة التي تراها بها. فقد تكتشف في زهرة بسيطة، أو فطر صغير، أو بعض الطحالب، عالماً كاملاً من الألوان والملامس والتكوينات غير المتوقّعة. الفنانة والمصمّمة اللبنانية لميس عكر إلى جانب إحدى منحوتتيها المعروضتين في دبي ضمن مجموعة Unseen Murmurs. (المكتب الإعلامي) وتروي في حديثها إلى "النهار" أنّها تمضي وقتاً طويلاً في مراقبة هذه التفاصيل وتصويرها، قبل أن تبدأ مرحلة أخرى داخل محترفها.وتوضح: "حين أبدأ بالابتكار، لا أحاول إعادة إنتاج ما رأيته. ما يهمّني هو التقاط الإحساس الذي تركه فيّ"، مشيرةً إلى أنّها تترك لمخيّلتها حرية تطوير الأشكال حتى تتحوّل إلى تكوينات جديدة.هكذا نشأت مجموعة "Unseen Murmurs"، أو "همسات غير مرئية"، بأشكالها العضوية وألوانها اللافتة، مستلهمةً عالماً صغيراً لا تكشف الطبيعة عن تفاصيله من النظرة الأولى. بدأت مشاركة عكر في دبي بدعوة تلقّتها للانضمام إلى الفعالية. وتقول إنّ فكرة جمع الفن النحتي بالمجوهرات الراقية أثارت اهتمامها منذ البداية، خصوصاً أنّها أتاحت لها رؤية أعمالها في سياق مختلف عن مساحات العرض المعتادة.ورغم اختلاف المقاييس بين منحوتاتها ومجوهرات الدار الإيطالية، وجدت عكر تقاطعاً واضحاً في طريقة التعامل مع الشكل واللون والحرفية.وتشرح: "كلّما اقتربنا من قطعة مجوهرات، اكتشفنا المزيد من جمالها، من خلال حرفيتها وألوانها وتفاصيلها الدقيقة".ثم تختصر العلاقة بين التجربتين بعبارة: "في كلا العالمين، يكشف الجمال عن نفسه حين ننظر عن قرب". لميس عكر (يساراً) وهاندا أرتشيل، سفيرة دار بوميلاتو، إلى جانب أعمال عكر النحتية خلال الفعالية في دبي. (المكتب الإعلامي) أما اللحظة التي بقيت في ذاكرتها، فكانت رؤية منحوتتيها معروضتين إلى جانب مجوهرات "بوميلاتو" للمرة الأولى. فبعد الوقت الطويل الذي تقضيه مع أعمالها داخل المحترف، وتتخيّل خلاله كيف ستبدو في فضاءات مختلفة، كان لرؤيتها في هذا المكان وقع خاص عليها.وشهدت الأمسية أيضاً لقاءها بالممثلة التركية هاندا أرتشيل، التي تحدّثت في المقطع المصوّر المرافق عن اختلاف القصص والمواد وراء الأعمال، وما يجمعها من جرأة وثقة. ليست الطبيعة المصدر الوحيد الذي تستقي منه عكر أفكارها. فقد سبق أن عادت إلى ذاكرة بيروت في عملها "The Light Keeper"، الذي قدّمته ضمن "We Design Beirut"، مستعيدةً شخصية "الدّومري"، الرجل الذي كان يجوب الشوارع لإضاءتها قبل انتشار الكهرباء، في تجربة تناولتها "النهار" سابقاً. لميس عكر لـ "النهار": أُعيد إحياء شخصية "الدومري" بطريقة معاصرة (فيديو وصور) "تذكّرتُ جملة لبنانية قديمة تقول: ما في "دومري" على الطريق". إحدى منحوتات الفنانة اللبنانية لميس عكر من مجموعة Unseen Murmurs، خلال فعالية The Art of Iconic Craftsmanship في دبي. (المكتب الإعلامي) وفي أحدث أعمالها، تنتقل من ذاكرة المدينة إلى تفاصيل الطبيعة، مواصلةً اهتمامها بتحويل الأفكار والمشاعر إلى تكوينات نحتية.أما عن أهمية مشاركتها في دبي، فتشير إلى أنّ هذه الفرص تتيح لها، بصفتها مصمّمة لبنانية، تقديم أعمالها إلى جمهور أوسع والتواصل مع مبدعين من اختصاصات وخلفيات مختلفة. ثمّة تمرّد صغير في أعمال لميس عكر. زهرة تتخلّى عن شكلها، وتكوين طبيعي يفقد ملامحه المألوفة ليبدأ حياة أخرى. وفي دبي، حيث جاورت منحوتاتها الذهب والأحجار الكريمة، بدا هذا التمرّد في مكانه تماماً. فالأشكال التي خرجت من محترفها لا تطلب من أحد أن يتعرّف إليها. إنّها تترك للناظر حرية أن يراها كما يشاء، حتى لو لم يعرف تماماً ما الذي يراه.