فتحت أعمال العنف التي رافقت تظاهرات فرنسا نقاشاً يتجاوز غلاء المعيشة وأوضاع المدارس إلى تداعيات الخوف على الخيارات السياسية للفرنسيين. فبين المطالبة بتحسين الخدمات والقلق على سلامة الأشخاص والممتلكات، قد تجد قوى سياسية متنافسة فرصة لتوسيع جمهورها، وفق قراءة قدّمها المؤرّخ البريطاني المتخصّص في التاريخ الفرنسي جوليان جاكسون. وفي مقابلة أجراها الصحافي إسحق شوتينر ونشرتها مجلة "نيويوركر" في 23 تشرين الأول/أكتوبر، اعتبر جاكسون أن الاضطرابات التي شهدتها البلاد في 17 تشرين الأول غيّرت طبيعة النقاش، بعدما بدأت الاحتجاجات بمطالب طلابية تتعلّق بنقص التمويل وسوء الأوضاع في المدارس، ثم اتّسعت لتشمل فئات متضرّرة من ارتفاع كلفة الحياة. من المطالب الاجتماعية إلى الشعور بانعدام الأمان يميّز جاكسون بين مطالب المتظاهرين وأعمال النهب وإحراق الممتلكات التي رافقت بعض التحرّكات. ويرى أن أثر العنف لا يقتصر على الأضرار المباشرة، بل يمتدّ إلى شعور المواطنين بقدرة المؤسسات على حمايتهم. وبحسب قراءته، انتقل النقاش من التعبير عن قلق الأجيال الشابة، ومعها فئات أكبر سناً، إلى التساؤل عن أداء الدولة وقدرتها على ضبط الأوضاع. ويشير إلى أن الخوف الذي أحدثته الاضطرابات قد يؤثّر في مواقف أشخاص لم يكونوا قريبين سابقاً من القوى السياسية الأكثر تشدّداً. ويستند المؤرّخ في توصيفه جانباً من هذا المناخ إلى نقاشات عايشها في باريس، رصد خلالها غضباً شديداً من أعمال التخريب لدى أشخاص وصفهم بأنهم وسطيون أو قريبون من يمين الوسط. وهي ملاحظات شخصية يوردها لتفسير المزاج العام، وليست نتائج استطلاع للرأي. لوبن وميلانشون... استفادة من اتجاهين يرى جاكسون أن الأزمة قد تمنح دفعاً لكلّ من مارين لوبن وجان لوك ميلانشون، انطلاقاً من استجابتين مختلفتين للاحتجاجات. فالتشديد على استعادة النظام قد يوسّع جاذبية اليمين المتطرّف لدى ناخبين يخشون تكرار العنف. وفي المقابل، يمكن لدعم المطالب الطلابية والاجتماعية أن يمنح ميلانشون زخماً لدى المحتجّين والمتعاطفين معهم. مشاهد العنف اجتاحت أغلب شوارع باريس (غيتي) لكن المؤرّخ لا يعتبر النتيجة الانتخابية محسومة، مشيراً إلى أن تطوّرات كثيرة قد تغيّر المشهد، وأن استمرار التظاهرات وطبيعتها سيؤثّران في حجم التداعيات السياسية. تضع هذه الأجواء القوى الوسطية أمام تحدّي صياغة موقف يجمع بين الاعتراف بالمطالب الاجتماعية ورفض العنف. متظاهر فرنسي في مواجهة مع الشرطة الفرنسية خلال الاحتجاجات (رويترز) ويشرح جاكسون أن الاقتراب من المحتجّين قد يُفسَّر باعتباره تساهلاً مع الاضطرابات، فيما قد يثير التأييد غير المشروط للإجراءات الأمنية اعتراضات أخرى. وبين الموقفين، يصبح إيصال خطاب متوازن أكثر صعوبة، خصوصاً حين تمتلك القوى المنافسة رسائل مباشرة لجمهورها. وتطرح المقابلة، في هذا السياق، أهمية النقابات والبلديات والجمعيات بوصفها مؤسسات وسيطة تساعد على التفاوض ومعالجة الخلافات. ومن هذه الزاوية، يتعلّق أحد اختبارات المرحلة المقبلة بقدرة المطالب الاجتماعية على إيجاد مسار سياسي ومؤسسي، قبل أن يطغى عليها الخوف من مشاهد العنف.