“فقاعة جميلة” هو أول رد فعل حقيقي لدى مشاهدة اللقاء حول تطوير النقل المشترك الذي جرى في السراي الحكومي. جميلة لأنّ أي حديث جدّي عن النقل المشترك في لبنان مفيد، بل ضروري، بعد عقود من تهميشه ومن تحويل السيارة الخاصة عمليًا إلى شرط شبه إلزامي للتنقل بالنسبة إلى جزء كبير من السكان. وجميلة أيضًا لأنّ لقاء «نحو تطوير النقل المشترك في لبنان» أعاد هذا الملف إلى مستوى رئاسة الحكومة، ووضع أرقامًا وأهدافًا للتوسّع: الانتقال من نحو 60 حافلة تعمل على 12 مسارًا وتنقل أكثر من ثمانية آلاف راكب يوميًا، إلى 300 حافلة و54 مسارًا تستهدف نحو 60 ألف راكب يوميًا. وهي أرقام معلنة عن الخدمة التي يراد توسيعها، لا عن مجمل النقل المشترك القائم في لبنان. وعلى الرغم من هيمنة الخطابات الإنشائيّة والتعميميّة على جزء كبير من الكلمات، إلّا أنّ الإنصاف يقتضي أيضًا القول أن النقطة المبشّرة أنه، ومن المرات النادرة جدًا، التي يتمّ التطرّق فيها عن غياب البديل الذي يفرض السيارة على الناس، وعن ضرورة انتظام المواعيد والتعرفة والمحطات والصيانة، وعن الوقت والكلفة اللذين يتحمّلهما المواطن. أي إنّ جانبًا من المشكلة البنيوية والاجتماعية كان حاضرًا في الكلام. ولذلك، ليست المشكلة أنّ أحدًا في اللقاء لم يسمع يومًا بمفهوم الاعتماد على السيارة، بل أنّ الفارق لا يزال كبيرًا بين الاعتراف بالمشكلة، ولو جزئيًا، في الخطاب وحقيقة الخطة التي ظهرت تقنية بحت فيما غابت عنها الرؤية الاستراتيجية لقطاع النقل، الإجراءات التنفيذيّة، الدراسات المعمّقة والأرقام الوافية، التمويل الكافي، والتغييرات الحقيقية في مقاربة حوكمة القطاع. بمعنى أن القائمين على الخطة عجزوا عن تحويلها إلى هدف سياسي متكامل كما ينبغي لأي خطة نقل حقيقية أن تكون. من هنا تحديدًا تبدأ «الفقاعة». ليس لأنّ 300 باص لا قيمة لها، بل لأنّ ثمة خطرًا في التعامل معها بوصفها «الخطة» للنقل المشترك بدل اعتبارها جزءًا من سياسة أشمل، وهو الأمر الضروري في الأوضاع الراهنة أكثر من أي وقت مضى. أزمة النقل في لبنان ليست، في جوهرها، أزمة نقص في المركبات أو الخطوط. هي أزمة نظام كامل تشكّل على مدى عقود حول السيارة الخاصة: توسّع عمراني متباعد، تمركز للوظائف والخدمات، أولويّة شبه دائمة لحركة السيارات على حساب الوصول إلى الأماكن، إهمال البدائل عبر ضعف النقل الجماعي وضعف البنى التحتية للمشاة، مواقف غير منظمة، هيمنة ثقافية، تسهيلات للوصول إلى السيارة ماديًا واقتصاديًا، وفصل شبه كامل بين سياسات استعمالات الأراضي وسياسات التنقل عدا عن ضعف الحوكمة، الفساد، الإهمال والمقاربات الاقتصادية- المالية للقطاع الذي سخر لخدمة الكارتيلات لا المجتمع. لذا المشكلة ليست بنقص المركبات للنقل المشترك بقدر ما هي الاعتماد على السيارة ولذا خطة نقل مشترك حقيقية لا يجب أن يكون هدفها استخدام النقل المشترك كمركبات بقدر ما لما له من دور كبديل فعلي عن السيارة. والفرق بين الهدفين كبير. مثلًا، يمكن أن نصل إلى 60 ألف راكب يوميًا في حافلات الدولة من دون أن نكون قد أخرجنا سيارة واحدة من الطريق. فقد ينتقل جزء من تنقلات هؤلاء من الفانات أو السرفيس أو الباصات الخاصة أو المشي، إلى باصات النقل المشترك الرسمي. وقد يكون جزء آخر من أشخاص كانوا أصلًا يحدّون من تنقلاتهم بسبب غياب البديل. وفي الحالتين يكون تحسين الخدمة مكسبًا اجتماعيًا حقيقيًا، حتى من دون أي انتقال من السيارة. لكنه لا يثبت أننا غيّرنا نظام التنقل أو خففنا الاعتماد على السيارة. وهذا التمييز مهم جدًا: زيادة استخدام النقل المشترك لا يعني بالضرورة تحولا موداليا. لذلك لا يكفي أن نسأل بعد سنوات: كم أصبح لدينا من باصات؟ وكم راكبًا حملت هذه الباصات؟ بل يجب أن نعرف أيضًا: ما حصّة السيارة من الرحلات؟ هل انخفض عدد الأسر التي تحتاج إلى سيارة ثانية؟ هل أصبح الوصول إلى الوظائف والتعليم والخدمات أسهل من دون سيارة؟ هل تراجعت كلفة التنقل نسبةً إلى دخل الأسرة؟ وهل أصبح شخص يعيش في الأطراف قادرًا على الوصول إلى عمله في وقت وكلفة مقبولين؟ هذا هو الفارق بين خطة لتشغيل باصات وبين سياسة لتغيير نظام النقل وهو ما غاب تمامًا عن لقاء السراي حول النقل المشترك. وذلك يفضح المقاربة التقنية للموضوع التي حصرت الأزمة بنقص الباصات وكأن زيادتها او تحسين خدماتها هو حل سحري. تجارب دول أخرى توضح الفرق. ففي بعض الدول في الخليج أو شمال أفريقيا أو شرق آسيا، ارتفعت حصة النقل الجماعي والتنقل المشترك جرّاء الاستثمار الحكومي بالقطاع إلّا أن عدم العمل على إلغاء الاعتماد البنيوي على السيارة جعلها تحافظ على مكانتها وقلّل من القدرة التنافسيّة للنقل المشترك وبالتالي حدّ من ربحية هذه الاستثمارات. فيما في الدول التي عملت بالتوازي بين الخطين، الاستثمار بالنقل المشترك وتقليل الاعتما