لم تعد حروب واشنطن ورسومها الجمركية ملفات بعيدة عن حياة الأميركيين اليومية. فمع ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية، تحولت السياسة الخارجية لإدارة الرئيس دونالد ترامب إلى عبء داخلي ثقيل، يهدد بإرباك الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي المقبلة. وبحسب معطيات واستطلاعات أوردتها "إرم نيوز"، تزايد شعور الناخبين بأن السياسات الخارجية والاقتصادية لترامب باتت تنعكس مباشرة على جيوبهم، بعدما أدى الانخراط في المواجهة مع إيران، بالتوازي مع توسيع الرسوم الجمركية، إلى ارتفاع تكاليف المعيشة بصورة كبيرة. كشف استطلاع لـ"رويترز/إبسوس" أن نحو 78% من الأميركيين يحمّلون سياسات ترامب مسؤولية مباشرة عن ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية، في مؤشر يضع الاقتصاد في صدارة المعركة الانتخابية. ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان انتخابات عام 2006، حين خسر الجمهوريون السيطرة على مجلسي الكونغرس في ظل الغضب الشعبي من حرب العراق وتداعياتها الداخلية. ويرى الباحث كريستوفر بريبل، من مركز "ستيمسون"، أن الناخب الأميركي لم يعد ينظر إلى الصراعات الخارجية باعتبارها ملفات منفصلة، بعدما بات يشعر بكلفتها في فواتير الوقود والبقالة، ما قد يدفعه إلى معاقبة الحزب الحاكم في صناديق الاقتراع. أمام هذا الضغط، لجأ ترامب إلى خطوات تهدف إلى تخفيف كلفة الطاقة قبل الانتخابات، بينها رفع العقوبات عن صادرات الديزل الروسية لزيادة المعروض العالمي، وممارسة ضغوط على كييف لوقف استهداف مصافي النفط الروسية. كما أثارت هذه التحركات انتقادات داخلية، وسط اتهامات للإدارة بتقديم هاجس خفض أسعار الوقود على أولويات السياسة الخارجية. وفي موازاة ذلك، تشير تقارير إلى أن ترامب تعهد بعدم شن هجمات كبرى جديدة ضد إيران قبل الانتخابات، رغم بقاء خطط عسكرية مشتركة مع إسرائيل جاهزة لما بعد إغلاق الصناديق. وتزيد التطورات في مضيق هرمز من تعقيد المشهد، إذ إن أي اضطراب في الملاحة أو إمدادات الطاقة قد يرفع أسعار النفط مجددًا، ويحوّل المواجهة مع إيران إلى عبء انتخابي مباشر على الجمهوريين. وبذلك، تعود معادلة "إنه الاقتصاد" إلى الواجهة بقوة، بعدما أصبحت آثار السياسة الخارجية جزءًا من الحسابات المعيشية للناخب الأميركي. وتشير مؤشرات سياسية إلى احتمال تقدم الديمقراطيين في مجلس النواب، مقابل سباق أكثر صعوبة في مجلس الشيوخ، ما يهدد بتقييد قدرة ترامب على تمرير أجندته خلال العامين المتبقيين من ولايته. لكن المفارقة، وفق خبراء، أن خسارة الجمهوريين الأغلبية قد لا تحد بالضرورة من حركة ترامب خارجيًا. ففي حال دخل مرحلة "البطة العرجاء"، قد يصبح أكثر تحررًا من الحسابات الانتخابية، ما يفتح الباب أمام تحركات أكثر اندفاعًا في السياسة الخارجية، حتى لو أصبحت حركته الداخلية مقيدة داخل الكونغرس. وهكذا، يتحول استحقاق التجديد النصفي من مجرد اختبار حزبي إلى استفتاء على كلفة سياسات ترامب نفسها: هل يدفع الأميركيون ثمن المواجهات والرسوم في معيشتهم، أم تنجح الإدارة في احتواء الغضب قبل وصوله إلى صناديق الاقتراع؟