لم يعد السؤال داخل المؤسسات اليوم: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟ النقاش انتقل إلى مستوى آخر: كيف نستخدمه من دون أن نخسر جودة العمل والثقة والعلاقات الإنسانية؟ خلال السنوات الأخيرة، دخلت أدوات مثل "شات جي بي تي" و"كلود" و"كوبايلوت" بسرعة إلى بيئات العمل. يستخدمها الموظفون في كتابة الرسائل، وتحليل البيانات، وإعداد التقارير والعروض، وتلخيص الاجتماعات، والمساعدة في بعض عمليات اتخاذ القرار. هذه السرعة في التبني سبقت، في حالات كثيرة، قدرة المؤسسات على وضع القواعد التي تنظم الاستخدام. وتكشف استطلاعات حديثة أن استخدام الموظفين للذكاء الاصطناعي توسع أحياناً خارج الأدوات التي توفرها المؤسسات، فيما لا تزال بعض أماكن العمل تفتقر إلى سياسات أو إرشادات واضحة تحكم استخدامه. عندما تتحول الإنتاجية إلى عبء ظهر مصطلح Workslop لوصف نوع من المحتوى الذي يُنتج بالذكاء الاصطناعي ويبدو احترافياً ومنظماً للوهلة الأولى، فيما يفتقر عند التدقيق إلى العمق أو الدقة أو القيمة الفعلية. يستطيع موظف اليوم إنتاج تقرير من عشر صفحات خلال دقائق. ماذا يحدث إذا احتاج زميل آخر إلى ساعتين للتحقق من المعلومات وتصحيح الأخطاء وإعادة صياغة الاستنتاجات؟ محتوى أكثر، تدقيق أكثر، إعادة عمل أكثر، وثقة أقل. المشكلة هنا ليست في الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في انتقال مسؤولية التفكير والمراجعة من الشخص الذي استخدم الأداة إلى الشخص الذي يتلقى النتيجة. المسألة لا تتوقف عند الإنتاجية. ثمة تحدٍ آخر يرتبط بالثقة داخل بيئة العمل. عندما تصل رسالة ممتازة من أحد الزملاء، قد يتساءل الآخرون: هل كتبها فعلاً أم كتبها "شات جي بي تي"؟ وعندما يقدم شخص تحليلاً أو رأياً، قد يبرز سؤال آخر: هل يعكس ذلك قناعته وخبرته، أم إجابة حصل عليها من "كلود"؟ مع توسع استخدام هذه الأدوات، قد يصبح التمييز بين قدرة الإنسان وقدرة الأداة التي يستخدمها أكثر صعوبة. والأكثر حساسية أن يتحول الذكاء الاصطناعي إلى وسيط دائم بين البشر. الموظف الذي يسأل مديره سؤالاً لا يبحث دائماً عن معلومة يستطيع الحصول عليها من محرك بحث أو روبوت محادثة. أحياناً يبحث عن الخبرة، أو التوجيه، أو النقاش، أو عن بناء علاقة مهنية تساعده على التطور. إذا أصبح جواب المدير الدائم: "اسأل الذكاء الاصطناعي"، فقد تكسب المؤسسة بضع دقائق، فيما تخاطر بخسارة شيء يصعب قياسه بالأرقام: العلاقة الإنسانية داخلها. الطبقة البشرية لحوكمة الذكاء الاصطناعي لهذا السبب، لا ينبغي أن تقتصر حوكمة الذكاء الاصطناعي على الأمن السيبراني والخصوصية والتحيز والامتثال للقوانين. ثمة حاجة إلى ما يمكن تسميته "الطبقة البشرية لحوكمة الذكاء الاصطناعي". على المؤسسات أن تحدد متى يمكن استخدام AI، ومتى يجب الإفصاح عن استخدامه، ومن يتحمل مسؤولية مراجعة المخرجات، وما الذي يمكن تفويضه إلى الوكلاء الأذكياء، وما الذي ينبغي أن يبقى مسؤولية بشرية. فامتلاك أحدث أدوات الذكاء الاصطناعي لا يعني أن المؤسسة أصبحت ناضجة في استخدامها. يمكن أن تكون المؤسسة متقدمة تقنياً، فيما لا يزال استخدامها البشري لهذه الأدوات غير ناضج. المرحلة المقبلة من الذكاء الاصطناعي لن تدور فقط حول قدرات الآلة، بل أيضاً حول قدرتنا على تحديد موقع الإنسان منها. الحوكمة الحقيقية لا تعني فقط أن نحكم الآلة، بل أن نحكم العلاقة بين الإنسان والآلة، وبين الإنسان والإنسان الآخر.