ليبانون ديبايت - المحامي ميشال فلاّح ماذا يبقى من واجب المواطن في طاعة الدولة حين تتخلّف هذه الأخيرة عن أداء واجباتها تجاهه؟ وهل تستطيع سلطة تعجز عن توفير الأمن، وحماية الحقوق، وضمان الحدّ الأدنى من الخدمات العامة، أن تطالب مواطنيها بالامتثال الكامل لقوانينها وقراراتها؟ ثم هل يملك المواطن، في المقابل، حقّ الامتناع عن تنفيذ التزاماته القانونية، احتجاجاً على تقصير الدولة أو إخلالها بمسؤولياتها؟ ليست هذه الأسئلة مجرّد إشكاليات فلسفية تتصل بالعلاقة بين الحاكم والمحكوم، بل تطرح مسألة قانونية ودستورية دقيقة، خصوصاً في لبنان، حيث تتّسع أحياناً الهوّة بين الحقوق التي يكفلها الدستور والواقع الذي يعيشه المواطن. وهي تضعنا أمام معادلة شائكة، هل تقوم طاعة القانون على مجرّد صدوره عن سلطة مختصّة، أم على وفاء تلك السلطة بالتزاماتها تجاه المجتمع؟ الدولة والمواطن... علاقة قانونية لا عقد تبادل خدمات تقوم الدولة الحديثة على مبدأ خضوع الحاكم والمحكوم للقانون. فالدولة لا تستمدّ سلطتها من قدرتها على فرض الطاعة فحسب، بل من دستور يحدّد اختصاصاتها، وينظّم مؤسساتها، ويضمن حقوق الأفراد وحرياتهم. وقد نصّت مقدّمة الدستور اللبناني، في فقرتها "ج"، على أن لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية تقوم على احترام الحريات العامة والعدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات. كما أكّدت الفقرة "د" أن الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة، يمارسها عبر المؤسسات الدستورية. غير أن العلاقة بين الدولة والمواطن، وإن كانت تنطوي على حقوق وواجبات متقابلة، لا تشكّل عقداً مدنياً عادياً يخضع بصورة مباشرة لقاعدة الامتناع عن التنفيذ عند إخلال الطرف الآخر بالتزاماته. ففي العقود المتبادلة، يجيز قانون الموجبات والعقود اللبناني، وفق شروط محدّدة، المطالبة بالتنفيذ أو فسخ العقد والتعويض عند إخلال أحد المتعاقدين بموجباته، ولا سيما وفق المادة 241 منه. أما في العلاقة مع الدولة، فلا يستطيع المواطن أن يستند إلى إخلال السلطة بواجباتها ليعتبر نفسه متحرّراً تلقائياً من موجباته القانونية. فالضرائب، واحترام القوانين، والامتثال للأحكام القضائية، ليست التزامات تعاقدية معلّقة على حسن أداء الإدارة. وهنا يظهر التمييز الجوهري بين الشرعية السياسية للسلطة، والمشروعية القانونية لأعمالها، وإلزامية القواعد التي تصدر عنها. فقد تفقد السلطة جانباً واسعاً من ثقة المواطنين نتيجة تقصيرها، من دون أن يؤدي ذلك، بذاته، إلى سقوط القوانين النافذة أو زوال الالتزام باحترامها. هل الطاعة مطلقة حتى عندما تُخالف الدولة القانون؟ إذا كان تقصير الدولة لا يبيح للمواطن التحرّر من التزاماته، فإن ذلك لا يعني أن الطاعة واجب مطلق، أو أن كل أمر صادر عن السلطة يستوجب التنفيذ لمجرّد صدوره عنها. ففي النظام الدستوري، لا تُطاع السلطة لذاتها، بل في حدود الصلاحيات التي يمنحها إياها القانون. ولا تتمتّع قراراتها بحصانة مطلقة من الرقابة والمراجعة. وهنا ينبغي التمييز بين مخالفة المواطن لقانون نافذ، وبين رفضه قراراً إدارياً مشوباً بعدم المشروعية. فالأصل أن القرارات الإدارية تتمتّع بقرينة المشروعية وتنتج آثارها ما لم تُسحب أو تُلغَ وفق الأصول، مع وجود حالات استثنائية تخضع لتقدير القضاء. وعليه، فإن الاعتقاد الشخصي بعدم قانونية قرار ما لا يمنح صاحبه، بصورة آلية، حقّ الامتناع عن تنفيذه. لكن في المقابل، يملك المتضرّر حقّ مراجعة القضاء المختص للطعن بالقرار، وطلب وقف تنفيذه حيث يجيز القانون ذلك، والمطالبة بالتعويض متى توافرت شروط المسؤولية. فالدولة القانونية لا تقوم على الطاعة العمياء، ولا على العصيان الفردي، بل على إخضاع السلطة نفسها لقواعد المشروعية. العصيان المدني بين المشروعية الأخلاقية والمسؤولية القانونية يحتلّ العصيان المدني موقعاً خاصاً في الفكر السياسي والقانوني. فهو يقوم، في مفهومه العام، على مخالفة علنية ومقصودة لقاعدة قانونية أو أمر صادر عن السلطة، احتجاجاً على ظلم أو سياسة عامة، وبوسائل سلمية. وقد ارتبط تاريخياً بفكرة أن العدالة قد تقتضي، في ظروف استثنائية، مقاومة قانون يُنظر إليه باعتباره منافياً للحقوق الأساسية. غير أن المشروعية الأخلاقية للعصيان لا تعني بالضرورة مشروعيته القانونية. فالقانون اللبناني لا يقرّ حقاً عاماً ومطلقاً في العصيان المدني يعفي المشاركين فيه من المسؤولية عن الأفعال التي قد تشكّل جرائم أو مخالفات. كما أن الطابع السلمي للاحتجاج لا يكفي وحده لجعل جميع الوسائل المستخدمة فيه مباحة قانوناً. وفي المقابل، تكفل المادة 13 من الدستور حرية إبداء الرأي والاجتماع وتأليف الجمعيات ضمن دائرة القانون. وهذه الحريات تشكّل أساساً دستورياً للاعتراض السلمي والمطالبة بتغيير السياسات والتشريعات. وبالتالي، يجب الفصل بين ثلاثة حالات: م