تستعد فرنسا، اليوم السبت، لموجة احتجاجات واسعة يُتوقع أن يشارك فيها ما بين 400 ألف و500 ألف متظاهر في مختلف أنحاء البلاد، وسط استنفار أمني غير مسبوق ومخاوف من تجدد أعمال الشغب والنهب، بالتزامن مع تحذيرات استخباراتية إسبانية من دعوات أطلقها تنظيم "داعش" لتنفيذ هجمات بالسكاكين والدهس خلال التجمعات الاحتجاجية، ولا سيما في فرنسا. وتتوقع أجهزة الاستخبارات الفرنسية وقوع "هجمات على المباني العامة ورموز الدولة، تترافق مع عمليات نهب انتهازية"، في وقت تسعى فيه السلطات إلى تجنب تكرار أحداث العنف التي شهدتها البلاد في 17 تشرين الأول، وأسفرت عن توقيف نحو 1200 شخص وإصابة 150 شرطياً، وفق التقارير المشار إليها. وفي باريس، قررت الشرطة تغيير مسار التظاهرة الرئيسية، التي كان مقرراً أن تمتد بين ساحة الباستيل وساحة الأمة، وتحويلها إلى شوارع جانبية بعيداً عن المحاور الأساسية في العاصمة، في خطوة أثارت اعتراضات واسعة لدى منظمي الاحتجاجات. وأعلنت جمعية طلابية مشاركة في تنظيم التحركات أنها ستطعن بالقرار أمام المحكمة الإدارية، فيما اتهم زعيم حزب "فرنسا الأبية" جان لوك ميلانشون الحكومة بتعطيل المسيرات عمداً، وفرض جداول زمنية تجعل إعادة تنظيم المشاركين أمراً بالغ الصعوبة. من جهتها، أكدت حركة "السترات الصفراء" تمسكها بعقد مؤتمر صحافي عند الظهر في ساحة الجمهورية، التي كانت قد اختيرت أساساً نقطة انطلاق للاحتجاجات. وكانت الساحة قد شهدت هدوءاً لافتاً خلال الليل نتيجة حظر التجول المفروض فيها، رغم دعوات مجموعات ناشطة إلى التجمع عند الساعة 22:30 لإحياء ذكرى المقاومة المناهضة للفاشية خلال الفترة الممتدة بين عامي 1939 و1945، إلا أن تلك الدعوات لم تلقَ استجابة تُذكر. وامتدت الإجراءات الأمنية إلى مدن أخرى، إذ حظرت السلطات في وسط مدينة بوردو جميع التظاهرات المقررة السبت بسبب عدم التوصل إلى اتفاق بشأن مساراتها، بينما واصلت النقابات العمالية الدعوة إلى التجمع، معلنة نيتها الطعن بالقرار قضائياً. وفي مدينة آنسي، أعلن رئيس البلدية تأييده حظر التظاهرة. وفي العاصمة، عمد أصحاب المحال التجارية في جادة الشانزليزيه إلى تحصين واجهات متاجرهم بألواح خشبية وستائر معدنية، تحسباً لأعمال تخريب ونهب جديدة. ومن المقرر نشر نحو 70 ألف عنصر من الشرطة ووحدات مكافحة الشغب في مختلف أنحاء فرنسا، في محاولة لمنع تكرار مشاهد الفوضى التي شهدتها البلاد الأسبوع الماضي. لكن المخاوف الأمنية لا تقتصر على أعمال الشغب، إذ كشفت وزارة الداخلية الإسبانية عن رسائل منشورة على موقع إلكتروني مرتبط بتنظيم "داعش"، تحرّض أنصار التنظيم في أوروبا على استهداف عناصر الشرطة والمتظاهرين، مع تركيز خاص على الاحتجاجات الفرنسية. وبحسب صحيفة "إل باييس" الإسبانية، تستغل هذه الرسائل حالة الاضطراب والتجمعات الحاشدة للدعوة إلى تنفيذ اعتداءات باستخدام المتفجرات أو السكاكين أو المركبات. وجاء التحذير في وثيقة داخلية صادرة عن مكتب تنسيق الأمن السيبراني الإسباني (OCC)، حصلت عليها الصحيفة، بعدما رصدت الأجهزة المختصة هذه الرسائل خلال متابعتها مواقع إلكترونية جهادية. وأشارت الوثيقة إلى أن محرّضي التنظيم يعتبرون الحشود الكبيرة، خصوصاً في فرنسا، "فرصة نادرة وقيّمة" لتنفيذ هجمات، ويرون أن عناصر الشرطة يصبحون أهدافاً أسهل خلال المواجهات مع المتظاهرين. وتضمنت الرسائل أيضاً إرشادات لتنفيذ الاعتداءات ورفع حصيلتها البشرية، بما في ذلك الدعوة إلى عمليات انتحارية باستخدام المتفجرات، إلى جانب تعليمات تتعلق باستخدام الأسلحة البيضاء. ومع ذلك، أوضح خبراء مكافحة الإرهاب لصحيفة "إل باييس" أن مثل هذه التهديدات العامة تتكرر ضمن الحملات الدعائية للتنظيمات الجهادية، خصوصاً خلال المناسبات التي تشهد تجمعات بشرية كبيرة وتحظى باهتمام إعلامي واسع، من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود مخطط محدد ووشيك التنفيذ. وفي موازاة التوتر الأمني، أثارت تصريحات للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون غضباً داخل الجالية اليهودية، بعدما وصف هجوماً عنصرياً وقع قرب باريس بأنه أول عمل إرهابي مخطط يستهدف مواطنين فرنسيين وأطفالهم بسبب لون بشرتهم أو ديانتهم المفترضة. وكان متطرف قد أطلق النار على أشخاص من أصحاب البشرة الداكنة في منطقتي تراب ولا فيريير قرب فرساي، ما أسفر عن مقتل شخص وإصابة آخرين، بينهم طفلة تبلغ 12 عاماً وُصفت حالتها بالخطيرة. وأُلقي القبض على المهاجم، فيما تولت النيابة العامة المختصة بمكافحة الإرهاب التحقيق في الحادثة. واعتبر ماكرون أن الضحايا استُهدفوا بسبب لون بشرتهم، ما أثار اعتراض رئيس المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا "كريف"، يوناتان عارفي، الذي طالب الرئيس بتصحيح تصريحاته، مذكّراً بالفرنسيين اليهود وغير اليهود الذين سقطوا سابقاً ضحايا هجمات إرهابية ب