تحولت المعركة حول مستقبل اليونيفيل في جنوب لبنان إلى معركة على من سيرسم النظام الأمني والسياسي للجنوب بعد نهاية عام 2026. فقرار مجلس الأمن 2790 مدّد مهمة اليونيفيل للمرة الأخيرة حتى 31 كانون الأول 2026، وقرر بدء انسحابها بعد ذلك. لكن التطورات الأخيرة، ولا سيما استمرار الصراع والمفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية برعاية أميركية، أعادت طرح السؤال حول من سيملأ الفراغ الذي ستتركه القوة الدولية؟ في هذا السياق، يأتي موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري ليكشف أن لبنان لا يخوض معركة دفاعاً عن اسم اليونيفيل بحد ذاتها، بقدر ما يخوض معركة دفاعاً عن المرجعية الدولية والمظلة الأممية في الجنوب، إذ يرى بري أن إصرار الولايات المتحدة على عدم تجديد مهمة اليونيفيل يفرض البحث عن قوة أممية بديلة، تحظى بتوافق أميركي وأوروبي وتعمل تحت علم الأمم المتحدة، محذراً من أنه في غياب مثل هذه القوة، لن تكون هناك قاعدة قانونية للحفاظ على الوجود الدولي في الجنوب. هذه العبارة تختصر، بحسب مصادر مطلعة في حركة أمل، جوهر الموقف اللبناني، مشيرة عبر “ليبانون ديبايت” إلى أن بيروت لا تقول إن اليونيفيل يجب أن تبقى بالضرورة بالشكل نفسه، بل تقول إن خروجها لا يجب أن يعني خروج الأمم المتحدة. بالنسبة إلى بري، هناك فرق جوهري بين تغيير المهمة وبين إسقاط المظلة الدولية الضرورية في الجنوب. فالجيش اللبناني، وفق تصوره، يحتاج إلى قوة دولية تساعده في تثبيت سلطة الدولة على كامل الأراضي، بالتوازي مع انسحاب إسرائيلي كامل إلى الحدود الدولية. وهنا يصبح الخلاف، بحسب المصادر، مع واشنطن وإسرائيل خلافاً على الوظيفة والمهمة، وليس على الاسم فقط. فالموقف الأميركي والإسرائيلي يتجه إلى إنهاء اليونيفيل وعدم إعادة إنتاج ما يشبهها لأسباب كثيرة، بينما تبحث دول أوروبية والأمم المتحدة عن ترتيبات بديلة تمنع حصول فراغ أمني في الجنوب. لذلك، طُرحت بالفعل أفكار لقوة أصغر تحل مكان اليونيفيل، فيما قدم الأمين العام للأمم المتحدة خيارات لقوة بديلة بأحجام مختلفة، ما يعكس وجود قناعة دولية بأن خروج القوة الحالية من دون بديل قد يخلق فراغاً خطيراً لن تستفيد منه سوى إسرائيل. وتعتبر المصادر أنه بالنسبة إلى بري، القضية أخطر من مجرد فراغ أمني، لأن خروج اليونيفيل من دون بديل أممي يعني عملياً انتقال الجنوب من نظام أمني يستند إلى قرارات مجلس الأمن، وفي مقدمها القرار 1701، إلى نظام قد تصبح فيه التفاهمات الثنائية اللبنانية–الإسرائيلية هي الإطار الأساسي. وهذا ما ترغب فيه إسرائيل لضمان وجودها عسكرياً وأمنياً في الجنوب، وما يرفضه بري تحديداً. وشددت المصادر على أن الاتفاقات الثنائية لا يمكن أن تكون بديلاً عن الحضور الدولي، ما دامت إسرائيل لا تنفذ ما تم الاتفاق عليه ضمن الاتفاق الإطاري الذي ترعاه الولايات المتحدة، ولا سيما ما يتعلق بالمرحلة التجريبية وآلية التحقق من انتشار الجيش اللبناني والانسحاب. وترى المصادر أن رئيس المجلس يحاول منع انتقال الجنوب من تدويل النزاع إلى ثنائيته، لأن التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل يجري بين دولة صغيرة ذات قدرات عسكرية محدودة ودولة تمتلك تفوقاً عسكرياً كبيراً. ولذلك، فإن وجود طرف ثالث تحت مظلة الأمم المتحدة يوفر للبنان شاهداً دولياً على الخروقات، ومرجعية قانونية وسياسية عند الاختلاف على تنفيذ الاتفاقات، ومرجعاً للحدود الدولية، وهو ما تريد إسرائيل التخلص منه لضمان وجودها في الأراضي اللبنانية وتلاعبها بالحدود. في المقابل، ترى إسرائيل أن اليونيفيل فشلت في منع حزب الله من بناء قدراته العسكرية جنوب الليطاني، بينما تريد واشنطن أن تكون المرحلة المقبلة أكثر ارتباطاً بالجيش اللبناني وبآليات تنفيذ واضحة تتولى هي، أو من تختاره، متابعتها. ومن هنا يمكن فهم السعي الأميركي–الإسرائيلي إلى إنهاء الصيغة الحالية، وربما رفض إنشاء قوة جديدة لا تختلف عنها إلا بالاسم. والمفارقة اليوم أن إنهاء مهام اليونيفيل يأتي في لحظة لا يزال فيها الجنوب بحاجة إلى طرف دولي. لذلك، حذرت منظمات دولية وحقوقية من خروج القوة من دون بديل، معتبرة أن ذلك قد يترك المدنيين أمام فراغ أمني خطير. لذلك، فإن معركة بري ليست على اليونيفيل بحد ذاتها، بل على ما سيأتي بعدها. وتكشف المصادر أن بري لا يريد خروج الأوروبيين من لبنان، بينما تريد إسرائيل إنهاء المهام وتعقيد وصول أي بديل، من أجل الوصول إلى آلية تنسيق أميركية–إسرائيلية–لبنانية.