تامبا.. طاولة تجمع الطرفين وخلافات تمنع التقدم لم تكن المحادثات العسكرية اللبنانية ـ الإسرائيلية، التي استضافها مقر القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» في تامبا بولاية فلوريدا، مجرد لقاء تقني عابر، بل عكست حجم المأزق الذي يواجه المسار الأمني بين الطرفين، وحدود ما يمكن أن تحققه الوساطة الأميركية في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وغياب أي مؤشرات جدية إلى الانسحاب من الأراضي اللبنانية. فعلى مدى يومين، جلس الوفدان العسكريان اللبناني والإسرائيلي إلى طاولة ترعاها واشنطن، في اجتماع حمل دلالات سياسية تتجاوز عنوانه العسكري، لكنه انتهى من دون تسجيل خرق ملموس، ولا سيما في المسائل المرتبطة بآليات التحقق من أداء الجيش اللبناني في المناطق التجريبية جنوب لبنان، وحدود الدور الإسرائيلي المقترح في مراقبة تنفيذ الإجراءات الأمنية. وبحسب المعطيات المتوافرة، تمحور الخلاف الأساسي حول طبيعة الرقابة وآلياتها، إذ رفض الوفد اللبناني منح إسرائيل دوراً مباشراً في متابعة تحركات الجيش وقراراته الميدانية، انطلاقاً من اعتبار أن أي صيغة أمنية لا يمكن أن تتحول إلى مدخل لتقييد المؤسسة العسكرية اللبنانية أو الانتقاص من صلاحياتها السيادية. وهنا تتجاوز المسألة الخلاف على إجراء تقني أو تعريف عسكري. فالسؤال الجوهري الذي تطرحه اجتماعات تامبا يتعلق بمن يمتلك حق تحديد الوقائع الأمنية داخل الأراضي اللبنانية، ومن يراقب تنفيذ الالتزامات، وما إذا كانت الترتيبات المقترحة ستكرّس دور الدولة اللبنانية أم ستضع جزءاً من قرارها الأمني تحت رقابة إسرائيلية مباشرة أو غير مباشرة. اجتماعات بلا مفاوضات سياسية.. إدارة للأزمة أم تمهيد لتسوية؟ على الرغم من انعقاد الاجتماعات في موعدها، فإن وصف ما جرى بأنه مفاوضات مكتملة يبدو سابقاً لأوانه. فالمباحثات، وفق المعطيات الواردة، بقيت في إطار النقاش العسكري وتبادل التصورات ومحاولة توحيد المصطلحات، من دون انتقال فعلي إلى مفاوضات سياسية قادرة على إنتاج تسوية ملزمة. ويكشف هذا الفصل بين المسارين عن إحدى أبرز نقاط الضعف في الجهود الجارية. فالمؤسسة العسكرية تستطيع مناقشة آليات الانتشار والتفتيش والتحقق، لكنها لا تملك منفردة صلاحية حسم القضايا السياسية الكبرى، وفي مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي، وترتيبات ما بعد الحرب، ومصير المناطق المحتلة، والضمانات اللازمة لمنع تجدد المواجهات. وتزداد هذه المعضلة تعقيداً مع ارتباط الحسابات الإسرائيلية بالانتخابات البرلمانية، حيث يتحول ملف أمن الشمال إلى عنصر أساسي في الخطاب السياسي لبنيامين نتنياهو. وفي هذا السياق، تبدو أي تنازلات إسرائيلية محتملة محكومة بحسابات الداخل الإسرائيلي، لا بمجرد مقتضيات التفاوض أو احتياجات الاستقرار على الحدود الشمالية. ومن شأن هذا الواقع أن يبقي المسار العسكري معلقاً بين مهمتين متعارضتين: محاولة إنتاج تفاهمات ميدانية قابلة للتطبيق، ومنع انهيار العملية السياسية التي يفترض أن تمنح هذه التفاهمات معناها النهائي. إسرائيل ترسم شروطها بالنار.. 700 كيلومتر مربع تحت عنوان الأمن في الوقت الذي كانت فيه الاجتماعات العسكرية منعقدة في فلوريدا، كانت إسرائيل تواصل اعتداءاتها على جنوب لبنان، بالتوازي مع تحليق مكثف لطيران الاستطلاع في أجواء بيروت، في مشهد يختصر التناقض بين لغة الوساطة الأميركية والوقائع التي تفرضها القوة العسكرية على الأرض. ولم يقتصر التصعيد الإسرائيلي على الميدان، بل امتد إلى الخطاب السياسي، مع إعلان وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس إقامة منطقة أمنية داخل لبنان، بمساحة 700 كيلومتر مربع، والتأكيد أن القوات الإسرائيلية لن تنسحب قبل نزع سلاح حزب الله في جميع أنحاء البلاد. ويمثل هذا الموقف مؤشراً إلى اتساع الفجوة بين التصورين اللبناني والإسرائيلي لأي تسوية محتملة. فلبنان ينطلق من ضرورة الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش، وتحرير الأسرى، وإعادة الإعمار، وعودة النازحين، فيما تربط إسرائيل الانسحاب بتحقيق شروط أمنية تتجاوز نطاق الجنوب، وتضع مسألة سلاح حزب الله على مستوى لبنان بأكمله. وبهذا المعنى، لا تبدو المنطقة الأمنية المطروحة مجرد إجراء عسكري مؤقت، بل تعكس توجهاً إسرائيلياً نحو فرض معادلة جديدة على الحدود، يكون فيها الوجود العسكري ورقة ضغط مستمرة في أي نقاش سياسي أو أمني لاحق. وتكمن خطورة هذا المسار في احتمال تحوّل الأمر الواقع إلى أساس تفاوضي، بحيث يجد لبنان نفسه أمام محاولة لتكريس وقائع ميدانية جديدة قبل التوصل إلى اتفاق يحدد الحقوق والالتزامات بصورة متوازنة. واشنطن بين الوساطة والضغط.. من يدير قواعد اللعبة؟ يؤكد اختيار القيادة المركزية الأميركية لاستضافة الاجتماعات، رغم تعثر المسار السياسي، أن واشنطن لا تزال متمسكة بإبقاء قنوات التواصل مفتوحة بين بيروت وتل أبيب. غير أن استمر