لم تكن إطلالة رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع الأخيرة عبر برنامج "صار الوقت" مجرد قراءة سياسية مستهلكة للواقع المتأزم، بل تحولت إلى المنصة الأكثر وضوحًا لإطلاق السهام المباشرة نحو المؤسسة العسكرية ورأس هرمها، العماد رودولف هيكل، مما دفع المراقبين والمتابعين للمشهد الأمني إلى الارتياب والتساؤل بكثرة عمّا يريده جعجع تحديدًا من الجيش اللبناني وقائده في هذا التوقيت الحساس. فعندما يتجرأ جعجع على القول إن قائد الجيش، العماد رودولف هيكل، يقع "في مقلب آخر عن توجهاتنا ورؤيتنا"، فهو يقرّ بلسانه بالحقيقة السياسية الوحيدة في خطابه؛ إذ إن المقارنة بين تاريخ الرجلين تكشف خطين متوازيين لا يلتقيان أبدًا. فالعماد رودولف هيكل يمثل المدرسة العسكرية المؤسساتية الصافية، التي تدرّجت من الكلية الحربية إلى أفواج الجيش الضاربة، وخاضت أعتى المعارك دفاعًا عن الدولة وحدودها، من التصدي للإرهاب التكفيري في معركة نهر البارد، إلى قيادة قطاع جنوب الليطاني وإدارة العمليات في أصعب الظروف الإقليمية. وتجسّد تاريخه في الحرص على السلم الأهلي وصون دماء اللبنانيين. وفي المقابل، يقف جعجع على الضفة الأخرى تمامًا، بسيرة ميليشياوية تتحدث عن نفسها، بدءًا من الدم الذي أُريق في شمال لبنان خلال مجزرة إهدن، مرورًا بحادثة السوديكو في بيروت واغتيال الوزير داني شمعون مع عائلته، التي لم يجد جعجع حرجًا، قبل أيام، في إصدار بيان تعزية في ذكرى اغتيالهم، في سخرية قدرية لا تتكرر، وصولًا إلى الحقيقة الأبرز، بأنه يظل الشخصية الوحيدة في تاريخ لبنان الحديث التي تجرأت على إعلان حرب صريحة ومباشرة ضد الجيش اللبناني وقواته الشرعية. وهذا التاريخ بالذات هو ما يفسر سلوكه الراهن، إذ يتساءل المتابعون بكثير من الاستغراب عن الغاية من هذا التحريض المستمر الذي يمارسه جعجع ومناصروه، وتنساق خلفه بعض الوسائل الإعلامية والأبواق المأجورة للتشكيك في خيارات المؤسسة العسكرية ورئاسة الجمهورية. فحين يطالب جعجع قيادة الجيش بأن "تنقذ" وتتحرك فورًا، فماذا يريد منها أن تنفّذ، وبأي منطق؟ هل يريد من العماد هيكل أن يخوض نيابةً عنه حربًا أهلية جديدة؟ أم يدعو القائد الأعلى للقوات المسلحة إلى إعطاء الأوامر باقتحام المناطق الحساسة والضاحية، وتنفيذ سيناريوهات عجز حتى العدو الإسرائيلي، بكامل بطشه وطغيانه، عن تحقيقها؟ وهل يظن جعجع أنه يعلم بالحيثيات الديموغرافية والمعطيات الأمنية الحساسة للبلاد أكثر من قيادة اليرزة وقصر بعبدا؟ أم أنه يعلم تمامًا بهذه الحيثيات الحساسة، ولهذا السبب تحديدًا يسعى إلى دفع الأمور نحو الانفجار لتغذية مشروعه الفتنوي؟ ولا يتوقف الانفصال عن الواقع عند الحدود الأمنية فحسب، بل يمتد إلى الأوهام السياسية المتضخمة؛ فحين سُئل جعجع خلال المقابلة عمّا كان سيفعله لو كان هو رئيسًا للجمهورية، جاء رده المستخف بالواقع ليكشف حجم تلك الأوهام، علمًا أن مجرد طرح السؤال عليه هو، في واقع الأمر، أقصى ما يمكن لجعجع أن يصل إليه في ملف كرسي بعبدا؛ إذ إن حلمه بالوصول إلى قصر بعبدا وقيادة البلاد ليس أقل من "حلم إبليس في الجنة"، إن لم يكن أبعد منه بكثير. فالرئاسة في لبنان تتطلب رجال دولة يجمعون القلوب ويحمون المؤسسات، لا قادة ميليشيات اقتاتوا على الانقسام والتشرذم. وفي نهاية المطاف، تبقى القضايا الكبرى المتعلقة بسيادة لبنان وكرامته الوطنية، والحرص على أرواح أبنائه وحماية أمنه القومي، شأنًا أسمى بكثير من أن تُترك للرهانات المأزومة أو الاستثمار الحزبي الضيق. وستظل بوصلة الوحدة الوطنية، التي يمثلها الجيش اللبناني وقائده ورؤيته العاقلة، هي الصخرة التي تتكسر عليها كل أوهام الفتنة، أما جعجعة الأبواق الناعقة الموتورة، فلا مكان لها في رسم مستقبل هذا الوطن.