تحوّلت ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر، إلى مناسبة مرتبطة بالجنوب والدولة والعيش المشترك، في الوقت الذي يبدو فيه الجنوب ولبنان كله أمام أسئلة مصيرية تتناول مصير القرى الجنوبية وأهلها، إذا استمر الإحتلال الإسرائيلي وقرّرت إسرائيل فتح معركة جديدة، ولا سيما في تلال علي الطاهر. وفيما المفاوضات المباشرة مع إسرائيل تراوح مكانها، والمناطق التجريبية وانتشار الجيش وحصر سلاح "حزب الله" لا تزال عناوين مفتوحة على احتمالات عدة، اختار رئيس الجمهورية جوزف عون، ومن أثينا أن يرفع السقف، معلناً أن لا حل عسكرياً يمكن أن يضع حداً للأزمة، ولا دولة مستقرة مع سلاح خارج سلطتها. وأعلن رئيس الجمهورية معادلة متوازية من اليونان، وهي: انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية، في مقابل حصر السلاح بيد الدولة وانتشار الجيش على كامل الأراضي. زيارة عون إلى اليونان حملت، في هذا السياق، بعداً يتجاوز العلاقات الثنائية، فأثينا أعلنت بوضوح دعمها للبنان ولجيشه، وربطت استقرار لبنان باستقرار المنطقة وأوروبا، فيما شدّد رئيس الوزراء كيرياكوس ميتسوتاكيس على ضرورة تعزيز القوات المسلّحة اللبنانية حتى تتمكن من ممارسة سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية. والأهم أن اليونان دخلت مباشرة على خط أحد أكثر الملفات حساسية: مستقبل "اليونيفيل". فمع اقتراب البحث في مرحلة ما بعد القوة الدولية، حذّر ميتسوتاكيس من أي فراغ أمني، مؤكداً ضرورة أن يؤدي الجيش اللبناني دوراً أساسياً في الجنوب. وفي الذكرى ال48 لتغييب الإمام الصدر، رفض الرئيس نبيه بري، تحويل الجنوب إلى منطقة أمنية، وحذّر من التفاوض تحت النار، معتبراً أنه لا يمكن اختزال المواجهة مع إسرائيل بمصير الحزب أو سلاحه. والأبرز في كلمة بري، كان إعلانه رفض اتفاق "الإطار" والتفاوض المباشر مع إسرائيل في ظل استمرار العمليات العسكرية، بالتوازي مع رفضه أي تشكيك بالمؤسسة العسكرية. كذلك أعاد الرئيس بري تثبيت اتفاق الطائف مرجعيةً للنظام السياسي، داعياً إلى تنفيذ بنوده كاملةً، محذّراً من تغيير شكل النظام. بدوره، بحث مجلس الوزراء أمس الواقع الجنوبي، مع التشديد على ضرورة استمرار الوجود الأممي تفادياً للفراغ الذي قد يفتح الباب أمام مزيد من التوتر، لكن المشكلة أن الجنوب لا ينتظر انتهاء النقاشات الدبلوماسية، فالميدان يواصل إنتاج وقائعه الخاصة، إذ تواصلت التوغلات الإسرائيلية والقصف المدفعي والتفجيرات في محيط أرنون وقلعة الشقيف، ما يدلّ على أن مسار التصعيد قد لا يكون خارج الحسابات. ومن شأن هذا الواقع، أن يدفع نحو استكمال مسار دعم الجيش من خلال المؤتمر الذي يجري التحضير له في باريس، كونه مقدمة لتعزيز دوره وجهوزيته لتنفيذ المهام الملقاة على عاتقه في الجنوب بالدرجة الأولى.