"ليبانون ديبايت ـ المحرر السياسي" في خضمّ السباق الدبلوماسي لاحتواء تداعيات المرحلة الخطيرة في الجنوب، لا يبدو مؤتمر دعم الجيش اللبناني المرتقب في باريس في 17 الجاري، مجرد محطة بروتوكولية جديدة. فالمسألة تتصل بموقع لبنان بين العواصم الدولية، وبأي صيغة يمكن أن يُترجم الدعم السياسي والعسكري إلى آلية فعلية تتيح للجيش القيام بالدور المطلوب منه في الجنوب. ويذكّر سفير لبنان السابق في الأمم المتحدة هشام حمدان بأن التجربة السابقة أظهرت تفضيلاً أميركياً لروما لاستضافة مؤتمرات من هذا النوع، مستعيداً مؤتمر عام 2015 الذي شكّل يومها حدثاً سياسياً كبيراً بأبعاد تتجاوز مسألة المساعدات العسكرية. ويقول السفير حمدان الذي شارك آنذاك في المؤتمر برفقة السفير الإيطالي في دعوة المكسيك إلى المؤتمر، بأنه حشد اهتماماً دولياً واسعاً بلبنان والجيش. لكن حمدان يكشف ل"ليبانون ديبايت"، أن الإدارة اللبنانية التي تولّت السلطة لاحقاً بدّدت نتائج تلك الجهود وأفشلت الزخم الذي كان قد نشأ حولها. ولا يرى حمدان أن هذا الموقف يعني أن واشنطن تعارض الدور الفرنسي، لكنه يعتبر أن النظرة الأميركية إلى مؤتمر باريس مختلفة، فالدور الفرنسي، في التقييم الأميركي، أكثر تسييساً وأقل ارتباطاً بجهد محدد الأهداف ومحدود الزمن. والأهم أن الولايات المتحدة، وفق حمدان، لم تتوقف أصلاً عن دعم الجيش اللبناني، بل واصلت مساعداتها، فيما أوفدت أخيراً كبار القادة العسكريين الأميركيين إلى لبنان للبحث مباشرة مع قيادة الجيش في احتياجات المؤسسة العسكرية ومتطلباتها. من هنا، يؤكد حمدان أن واشنطن لا تنظر إلى مؤتمر باريس باعتباره محطة استثنائية يفترض أن تعيد رسم العلاقة الأميركية ـ اللبنانية في ما يخص الجيش، ذلك أن العلاقة أعمق بكثير من مؤتمر أو تعهّدات ظرفية، فالولايات المتحدة تشارك في تدريب الجيش، وتربطها بقيادته وبالحكومة اللبنانية قنوات تعاون تتجاوز بكثير جدول أعمال أي مؤتمر دولي. لكن المفارقة الأكثر أهمية لا تكمن في باريس، بل في بيروت. ففي قراءته الأخيرة لموقف الرئيس نبيه بري، يرى حمدان تحولاً سياسياً يستحق التوقف عنده، فالرئيس بري كان قد اعتبر سابقاً أن الإتفاق الإطاري "لن يمر" وأنه "وُلد ميتاً"، فيما تبدو لغته اليوم مختلفة جذرياً، عندما يقول إن الإتفاق لا يكتمل من دون قوة دولية. وهنا يطرح حمدان السؤال الذي قد يكون الأكثر حساسية في المرحلة الحالية، حول ما إذا كان الرئيس بري لم يعد يرى في الإتفاق الإطاري نسخة أخرى من اتفاق 17 أيار، ليُجيب بأن الظروف تغيّرت، والواقع اللبناني تغيّر، ولم تعد هناك قوة سورية في لبنان تسند الموقف الذي كان سائداً في مراحل سابقة، ولذلك، فإن الإنتقال من رفض اتفاق الإطار إلى البحث في القوة الدولية التي تضمن تنفيذه يعني أن مقاربة بري للملف دخلت مرحلة جديدة. واللافت أيضاً، وفق حمدان، أن بري يضع مسألة القوة الدولية في إطار الموافقة الأميركية والتعاون مع أوروبا، وهو مطلب كان مطروحاً منذ بداية المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية حول تنفيذ اتفاق الإطار. غير أن إدخال الأمم المتحدة مجدداً إلى المعادلة يطرح سؤالاً آخر حول قدرة اليونيفيل، بصيغتها التقليدية، على أن تكون أداة لتنفيذ اتفاق جديد، أم أن المطلوب قوة مختلفة تماماً. وبالتالي يؤكد حمدان أن واشنطن لا تمانع مبدأ وجود دور للأمم المتحدة، لكنها تريد قوة فاعلة، لا مجرد قوة مراقبة أو فصل، كما كانت الحال مع اليونيفيل في صيغتها السابقة، إلاّ أن تحويل هذه القوة إلى قوة قتالية تقودها الولايات المتحدة يصطدم بالفيتو المتوقع من موسكو وبكين، وبالتالي فلا قوة أميركية ولا عودة إلى اليونيفيل القديمة، ما يجعل من البديل الواقعي هو قوة متعددة الجنسيات. وهنا يرى حمدان أن أمام بري فرصة سياسية لا ينبغي تفويتها، فبدلاً من الإكتفاء بالمطالبة بإدخال الأمم المتحدة في الصورة، يمكن الدفع نحو إنشاء قوة متعددة الجنسيات تكون مهمتها محددة بوضوح، وفي مقدمها تنفيذ اتفاق الهدنة لعام 1949، ومنع الأعمال العدائية على جانبي الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية. فمثل هذا المسار، يقول حمدان إنه لا يخدم إسرائيل وحدها ولا لبنان وحده، فهو يسمح بإخراج إسرائيل من الأراضي اللبنانية، ويأخذ في الإعتبار هواجسها الأمنية، وفي الوقت نفسه يفتح الباب أمام استمرار المفاوضات بين الجانبين بهدف إنهاء حالة الحرب القائمة بينهما، وتحريرهما من الضغوط السياسية والإقتصادية والعسكرية التي تجعل أي تسوية مؤجلة أكثر كلفة من التسوية نفسها.