من انهيار صادرات النفط إلى تراجع قيمة العملة وارتفاع الأسعار، تتراكم الفاتورة الاقتصادية للحرب على إيران. وبينما تتمسّك الأوساط المتشددة برواية تركّز على الخسائر التي تكبّدتها الولايات المتحدة وإسرائيل، تتصاعد داخل البلاد أصوات تدعو إلى مراجعة السياسات التي أوصلت البلاد إلى المواجهة الراهنة. لكن السؤال الذي يثير انقساماً متزايداً في طهران يتجاوز حجم الخسائر، ليطاول قدرة النظام على تغيير بعض خياراته من دون أن يبدو ذلك تراجعاً أمام خصومه. منذ انحسار العمليات العسكرية الواسعة التي استمرت نحو أربعين يوماً، عقب اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران في 28 شباط/فبراير الماضي، انقسم النقاش الإيراني بشأن كلفتها الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية إلى روايتين متعارضتين، في وقت لا يزال فيه خطر تجدد المواجهة قائماً، مع استمرار الحصار البحري والاضطرابات الأمنية في المنطقة. تركّز الرواية الأولى، التي تحظى بتأييد وسائل الإعلام الرسمية والمنابر الدعائية، على الكلفة التي فرضتها الحرب على الاقتصاد الأميركي، وتؤكد أن هذه الخسائر مرشحة للارتفاع مع استمرار التوتر في الخليج ومضيق هرمز. ويذهب بعض أنصارها إلى ربط الاحتجاجات الأخيرة في فرنسا وإيطاليا بالتداعيات الاقتصادية للحرب، معتبرين أن العبء الأكبر للمواجهة يقع على الدول المهاجمة. وانطلاقاً من هذه القراءة، لا تبدي الأوساط المؤيدة لها قلقاً كبيراً من استمرار التوتر مع واشنطن، وتدعو بعض الأصوات فيها إلى تصعيد المواجهة سعياً إلى إلحاق "هزيمة حاسمة" بالولايات المتحدة. وتُقدَّم التجمعات الليلية للمواطنين في الشوارع والساحات باعتبارها تعبيراً عن التأييد الشعبي لهذا التوجه. أما الرواية الثانية، التي تواجه رفضاً من مؤسسات الحكم ووسائل الإعلام الرسمية، فتحظى بأنصار كثيرين في المجال العام وشبكات التواصل الاجتماعي. وهي تنطلق من الأضرار الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية التي لحقت بإيران، لتخلص إلى أن استمرار المواجهة يهدد المصالح الوطنية، وأن إنهاءها عبر التفاهم والحوار والديبلوماسية بات ضرورة، من دون التسليم بالمطالب الأميركية. ويُعدّ محمد خاتمي وحسن روحاني ومحمد جواد ظريف من أبرز ممثلي هذا التوجه، ولذلك يتعرضون لانتقادات حادة وحملات من المتشددين. وقد امتنعت هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية، التي تتبنى الرواية الأولى، عن إتاحة المجال بصورة متوازنة أمام أصحاب الرأي الآخر. وتكشف تجربتا غلامحسين كرباسجي، رئيس بلدية طهران السابق، وناصر هاديان، الأستاذ في جامعة طهران، حجم الحساسية تجاه هذا النقاش. فقد تعرض الاثنان لهجمات استمرت أياماً بعدما دافعا عن ضرورة مراجعة السياسات خلال ظهورهما على التلفزيون الإيراني. كما تتواصل حملات الاتهام ضد روحاني وظريف في تجمعات مؤيدي استمرار المواجهة. ويرى أصحاب هذا التوجه أن الخسائر الحقيقية للحرب لن تتضح بصورة كاملة إلا بعد انتهائها نهائياً. فالحديث عنها في ظل استمرار التهديد العسكري يمكن أن يُفسَّر على أنه محاولة لإضعاف المعنويات في مواجهة العدو. وتزداد صعوبة التقييم عندما يتعلق الأمر بالخسائر الاجتماعية التي تحتاج إلى دراسات طويلة المدى، أو بالخسائر العسكرية التي تبقى معظم بياناتها سرية. أما الأرقام المتداولة عن حجم الضرر العسكري، فتستند في جزء كبير منها إلى تقديرات متضاربة وادعاءات يصدرها أطراف المواجهة. من النفط إلى الريال... فاتورة تتضاعف في المقابل، تسمح البيانات الاقتصادية بتكوين صورة أوضح عن الكلفة التي تكبدتها إيران. ويستند هذا التقرير إلى بيانات البنك المركزي ومركز الإحصاء الإيراني، وتقارير وسائل إعلام اقتصادية، بينها صحيفة "دنياي اقتصاد"، إلى جانب تقديرات الخبراء والمسؤولين. ويبرز قطاع النفط بوصفه أحد أبرز مصادر الخسائر. فقبل الحرب، كانت إيران تصدّر نحو 1.8 مليون برميل يومياً رغم العقوبات الأميركية. لكن الصادرات تراجعت بصورة حادة بعد بدء الحصار الأميركي في 13 نيسان/أبريل، لتنخفض إلى أقل من 300 ألف برميل يومياً في أيار/مايو، وفق بيانات متخصصة في حركة شحنات النفط. ومع إعادة فرض الحصار في 14 تموز/يوليو، اشتدت القيود على الصادرات، حتى توقفت عملياً الشحنات البحرية الجديدة العابرة لمضيق هرمز، وفق تقديرات شركات تتبع الناقلات. ويعني ذلك أن الانخفاض الذي بلغ نحو 80 في المئة في بعض مراحل المواجهة تطور إلى حصار أشد تأثيراً على مصدر العملات الأجنبية الأساسي في البلاد. وربما دفعت هذه الضغوط إيران إلى البحث عن وسائل بديلة لتصدير النفط، بما يشمل النقل البري إلى الدول المجاورة، وعمليات المبادلة النفطية، والاعتماد على شبكات تجارية وناقلات تابعة لجهات أخرى. لكن قدرة هذه الوسائل على تعويض الصادرات البحرية تبقى محدودة، كما أن حجم العمليات التي تجري عبرها لا يزال غير واضح.