كتب طوني عيسى في" الجمهورية": رضخت الدولة لتهديد «حزب الله » ب 7 أيار جديد. آثرت تأجيل انفجار الوضع الداخلي، لأنّ رهانات الرئاستين الأولى والثالثة تستند إلى براغماتية باردة: لعلّ الضربة الأميركية الوشيكة تكسر ظهر طهران، فتُجبر حليفها اللبناني علىالانكفاء التلقائي وتسليم السلاح بلا صدام أهلي مكلف. لكن هذه «الحسبةالبراغماتية » تغفل الحقيقة الأهم والأخطر، وهي أنّ اللاعب الأقوى والأكثر فاعلية على الأرض في لبنان اليوم ليس واشنطن، بل إسرائيل. ما لا تحسبه منظومة الحكم هو أنّ استمرار الإرباك الرسمي يخدم حسابات بنيامين نتنياهو وتهديدات يسرائيل كاتس بسيناريوهات التوسع والتدمير والتهجير، من الجنوب حتى خط الأولي ومن الضاحية الجنوبية لبيروت. وظهور الدولة بمظهر العاجز أمام حظر التهريب وضبط الأنفاق ومنع تدفق المتفجرات،هو في الواقع هدية مثالية لإسرائيل لأنّه يمنحها أفضل ذريعة للتوسع. ففي المنطق الإسرائيلي، كل شحنة أسلحة تعبر البقاع، يقابلها تراجع للدولة، تمنح إسرائيل عنواناً جاهزاً للاستثمار أمام المجتمع الدولي، من خلال القول: «الدولة اللبنانية غير موجودة. إنّها ترفض التزام تعهداتها، أو تعجز عن ذلك. ولهذا السبب، نحن مضطرون إلى تأمين حدودنا بأيدينا حتى نهر الأولي .» ولو أقدمت الدولة على حسم ملف السلاح والمتفجرات بحزم قضائي وأمني، لانتزعت الذريعة من يد إسرائيل وأحرجتها أمام واشنطن والعالم. لكن التردّد الرسمي هو ما يمنح إسرائيل الضوء الأخضر المثالي لضمّ مزيد من الأرض ورفضالانسحاب ومواصلة الهدم والتهجير، والاستثمار في الفوضى. هذا بالضبط ما يحاول الموفدون والمسؤولون الأميركيون إبلاغه إلى لبنان في كواليس مفاوضات تامبا وأقنية الاتصال الأخرى: «نحن لسنا قادرين على أن نكون كابحاً لإسرائيل إذا استمر عجزكم. افعلوا شيئاً. ادخلوا في مسار ملموس لنزع السلاح غير الشرعي وحظر التهريب لنتمكن من الوقوف إلىجانبكم. نحن لا نستطيع منع إسرائيل من التمدّد والتأسيس لمنطقة أمنية إذا بقيتم متفرجين. وتذكّروا أنّ الخروج الإسرائيلي من لبنان بعد ذلك سيكون عسيراً جداً، وقد يكون مستحيلاً ». وهذا ما يوضح المعادلة الأميركية المعروضة على الطاولة، في شكل واضح وقاسٍ: إما أن تكون لكم مواجهة شجاعة وسريعة مع التحدّيات في الداخل، وإما أن تتركوا الجنوب مباحاً لانفلات الآلة العسكريةالإسرائيلية، التي بات واضحاً أنّها لن تتوقف عند حدود الليطاني. تظن الدولة أنّ ترحيل البتّ بملف المتفجرات يشتري للبلد وقتاً وسلاماً أهلياً ولو موقتاً، لعلّ تحولات الإقليم تحمل انفراجات للداخل اللبناني. لكن هذا الترحيل يشتري مهلة قصيرة للتهدئة، فيما يعمّق خسارة الثقة في الدولة وهيبةالمؤسسات القضائية والأمنية، ويرسخ استمرار التسيب وانتهاك القوانين. وفوق ذلك، على المستوى الجنوبي، يترجَم كل يوم من التأخير في بيروت تجريفاً لقرية، وبناء لساتر ترابي إضافي، وتهجيراً للأهالي من منازلهم، وتحويل المناطق الواقعة تحت سيطرة إسرائيل أرضاً محروقة. لذلك، تقف الدولة اللبنانية بين خيارين لا ثالث لهما: إما أن تتجرأ على الحسم في ملف السلاح والمتفجرات وتأكيد حصرية قراراتها ومؤسساتها في حماية البلد، وإما أن تواصل التراجع أمام تهديدات «حزب الله ،» فتكون كمن يهدي أرض الجنوب على طبق من ذهب إلى إسرائيل لكي تقتطع منها ما تشاء. فالانتظار هنا ليس حكمة، ولا براغماتية، إنّه خدمة غير مباشرة، وغير مقصودة طبعاً، لإسرائيل، وإمعان في تدمير لبنان الكبير.