الحدث الأبرز داخلياً، هو تأخير الساعة، فيما اللبنانيون فقدوا «حاسة الزمن»، ولا يعيرون أيّ قيمة لتقديمه او تأخيره، في واقع تنعدم فيه سبل تعويض ما ضاع من عمرهم من وقت مهدور، انتُزع من حياتهم قسراً، ودفعوا ثمنه أكلافاً غالية، وما زالوا يكابدون الأمرّين بكل فئاتهم وانتماءاتهم وتوجّهاتهم، أمام واقع سياسي أعرج، يراوح بين متاريس التباين وسوء الإدارة والتدبير والتقدير والتفاهم، والاصطفافات المتواجهة، وتحت ضغط أزمة تتناسل منها أزمات مالية واقتصادية واجتماعية ومعيشية، الجامع بينها أنّ تعقيداتها المتراكمة مستعصية على العلاج في كلّ مفاصلها. وكل ذلك، بما فيه من آلام وأوجاع معلومة، يُضاف إلى القلق الذي يستنزفهم جميعاً، من المجهول الكامن للمنطقة برمتها – ومن ضمنها لبنان طبعاً- والغموض الذي يحجب المرحلة المقبلة بالكامل، ويصعّب قراءة اتجاهات الرياح السياسية وغير السياسية فيها، وأي اتجاه ستنحى إليه في ظل الكمّ الكبير من الاحتمالات الصعبة والروايات الحربية والسيناريوهات المقلقة، التي تضخّ في الأجواء محلياً وعلى المستويين الإقليمي والدولي. المؤكّد في هذه الأجواء، أنّ الحالة الانتظارية التي تطغى على المشهد اللبناني، ستبقى متواصلة، ومن دون سقف زمني، حتى يتبلور مشهد المنطقة. وإذا كان من الصعب في هذا الجو القاتم في المنطقة تقدير مآل الأمور مسبقاً، إلّا أنّ لدى اللبنانيين، وتبعاً لما هو متسارع فيها من استعدادات واستنفارات وتهديدات على أكثر من جبهة، وتبعاً لما عانوه ويعانونه ومرّوا به من تجارب صعبة على مدى السنوات الأخيرة، ألف سبب وسبب للتشاؤم وتوقّع الأسوأ، في منطقة تتراكم فيها احتمالات وتوترات تنذر بتداعيات صعبة وربما بمتغيّرات وتحوّلات وارتدادات واسعة النطاق. وبديهي التأكيد هنا، أنّ التشاؤم ليس مبالغاً فيه، ذلك أنّ شراراته منبعثة من مصادر متعددة في آن واحد؛ من جبهة إيران القابعة فوق صاعق تفجير في أي لحظة، والجبهة السعودية اليمنية المفتوحة على مزيد من الاشتعال، ومثلها جبهة غزة والضفة الغربية، التي وُضعت في ما يبدو في الساعات الأخيرة على منصة التصويب المباشر. وجبهة لبنان المستباحة لاعتداءات إسرائيلية متعدّدة الأشكال والأنواع، وإبادة الحياة والعمران في منطقة جنوب الليطاني، التي كثف فيها الجيش الإسرائيلي في الساعات الماضية من عمليات النسف والتجريف للقرى والبلدات، وإحراق الحقول والمواسم الزراعية. ومعلوم أنّ منطقة جنوب الليطاني تقف مع نهاية كانون الاول المقبل على عتبة فراغ خطير مع انتهاء فترة انتداب قوات «اليونيفيل» في هذه المنطقة. وكان لافتاً في هذا السياق، ما نُقل بالأمس عن سفير الولايات المتحدة الأميركية في الأمم المتحدة مايك والتز، بأنّ «الوقت قد حان لرحيل اليونيفيل». وكل تلك الجبهات معلّقة على الاستحقاقين الداهمين، الأول، انتخابات الكنيست في إسرائيل، التي رغم انّها تبعد يومين عن موعدها في 27 تشرين الاول الجاري، لا تستبعد تقديرات المحللين عنصر المفاجأة التصعيدية منها، لتأجيل هذه الانتخابات، بعد فشل محاولة أولى لهذا التأجيل، كشف عنها الإعلام الأميركي، وتجلّت في إحباط الرئيس الأميركي دونالد ترامب لهجوم سعى إليه نتنياهو على إيران في العاشر من الشهر الجاري. واما الاستحقاق الثاني، فهو الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة الأميركية، التي سيتحدّد وفق نتائجها مسار المنطقة برمتها، وليس فقط جبهة إيران. وربطاً بالانتخابات الإسرائيلية، توقف المراقبون عند التصعيد المفاجئ في الضفة الغربية، أمس، والإعلان عن عملية تمّ تنفيذها في الخليل، اعترف الجيش الإسرائيلي بأنّها أدّت إلى مقتل جنديين واصابة آخرين بجروح. واللافت في هذا السياق، الدعوة التدميرية للضفة الغربية التي أطلقها وزير المال الإسرائيلي يتسئليل سموتريتش، والتي تلاها إعلان رئيس الوزراء الاسرائيلي «انّه اطلع على عملية واسعة جداً في الضفة الغربية، ستكون غير مسبوقة منذ عام 1967، وسنختار التوقيت لتنفيذها». إلى ذلك، أبلغ مسؤول رفيع إلى «الجمهورية» قوله، «إنّ النظر إلى الامور كما هي أمامنا على جبهات الصراع، يشعر المتمعن فيها بضعف احتمالات التصعيد، حيث أنّ المجال لم يعد يتسع لمواجهة او تصعيد. ولكن طالما اننا نعيش في عالم مجانين، يتصدّره نتنياهو، ومزاجية ترامب ومفاجآته التي لا تنتهي، لا أجد سبباً يدفع إلى الإطمئنان، بل يجب أن نتوقع أسوأ الامور». أضاف: «لست وحدي من يقول ذلك، بل إنّ الدول قلقة. وبالمناسبة، أحد كبار الديبلوماسيين المخضرمين والمعروف عنه سعة اطلاعه، وهو ليس لبنانياً، أكّد في دراسة وضعها حديثاً (قبل اسبوع تقريباً) حول منطقة الشرق الاوسط، يخلص فيها إلى أنّ منطقة الشرق الاوسط، تمر في لحظة حرجة، وتواجه أخطر 7 ايام في تاريخها. والأهم في هذه الدراسة، انّه لا يتحدث عن منتصرين بل عن خاسرين من كل الأطراف».