بين الضغوط الداخلية والتصعيد الإسرائيلي المحتمل، يتحضّر حزب الله لأسوأ الاحتمالات وأكثرها تعقيداً. ويمكن لحادث إطلاق النار في الضفة أن يوسّع المواجهة، ويعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حرباً جديدة لم تكن في حسبانه. وفي ظل وضع مشوب بالحذر، عبّرت إسرائيل، في رسالة إلى الأمم المتحدة، عن رفضها الانسحاب من جنوب لبنان، ورفضها وجود قوة بديلة عن اليونيفيل، وعادت إلى طرح اقتراح الاستعانة بشركات خاصة للمراقبة. داخلياً، مرّ قطوع الحكومة بأقل الخسائر الممكنة، لكن تأجيل المشكلة لا يعني انتفاء أسبابها. يعلم حزب الله أن العلاقة بينه وبين "السلطة" تتجه نحو صدام مؤجّل، في ظل "وجود طرف لا يقدّر مصلحة البلد ويريد تسليم السلاح"، الذي يعني بالنسبة إلى الحزب "استسلاماً غير وارد في حساباته". وحين يصل الوضع إلى هذا الحد، "فلكل حادث حديث". مع تقاطع الضغط الخارجي مع الضغط الداخلي على حزب الله، تلقّفت السلطة تحذيراته، واستنفرت أكثر من جهة لتفادي المشكلة الداخلية قبل وقوعها. ودخل الأمير يزيد بن فرحان على الخط بناءً على تمنٍّ من رئيس مجلس النواب. فقطع رئيس الحكومة نواف سلام الطريق على التصعيد، من دون إحالة ملف المتفجرات إلى المجلس العدلي، لكنه أنذر الحزب بأن لصبر الحكومة حدوداً. يثمّن حزب الله مساعي الرئاسات الثلاث، وقد تلقّى رسالة رئيس الجمهورية جوزاف عون بإيجابية، لكنه لا يزال على موقفه بأن عون ذهب بعيداً في التفاوض مع إسرائيل، ضمن مسار من التنازلات يجب وقفه. حزب الله، المستنفر لمراقبة التطورات الإقليمية، عينه على الداخل، محاولاً تدوير الزوايا قدر المستطاع. لا يجزم بتجدّد الحرب، لكنه يتخوف من عودة مسلسل الاغتيالات، فيما تتراوح الاحتمالات المرتبطة برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بين سيناريوهات عدة. فإذا خسر الانتخابات، سيصعّد حكماً، سواء في لبنان أو إيران، رغم الضغط الأميركي. لكن حادثة الضفة اليوم قد تُحدث تحوّلاً في حساباته. أما إذا ربح الانتخابات، فقد يعني ذلك أنه لن يحتاج إلى حرب جديدة، خصوصاً أن تشكيل الحكومة لن يكون سهلاً، وأن لديه متّسعاً من الوقت ليفعل ما يريد. لكن ماذا لو أعلن الحرب على إيران ونفّذ تهديده بمحاولة إسقاط نظامها؟ فهل سيدخل حزب الله الحرب مجدداً؟ سؤال يحتفظ الحزب بالإجابة عنه لنفسه. وهو السؤال ذاته الذي طرحه رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني على رئيس كتلة حزب الله النيابية، محمد رعد، ولم ينل جواباً واضحاً وحاسماً عنه. لم يحمل الموفد القطري تصوّراً معيناً أو مبادرة، لكنه طرح مجموعة من الأسئلة يمكن أن يُفهم منها أن قطر بصدد استمزاج الآراء لبلورة تحرّك معين يهدف إلى تطويق تداعيات أي تصعيد محتمل وانعكاساته على لبنان. وفي سياق الزيارة، حذّر من عشرة أيام بالغة الخطورة على المنطقة ولبنان. وكان مستمعاً، واستفسر عن علاقة حزب الله برئيس الجمهورية، وسأل: لو نفّذت الولايات المتحدة ضربة جديدة ضد إيران، فماذا سيكون موقفكم؟ فأتاه الجواب عاماً، بينما بيّن حزب الله مكامن الضعف في موقف السلطة التفاوضي، وكيف أن إسرائيل لم تلتزم بتعهداتها رغم كل التنازلات التي قدّمها لبنان. وتحدّث عن الوضع الداخلي والتحديات التي تواجه حزب الله. استعاد رئيس وزراء قطر تجربة حماس لينبه الحزب إلى أن حرب إسرائيل هذه المرة إن حصلت ستكون هي الاقسى. وكما الموفد القطري، كذلك الموفد الفرنسي؛ إذ لم ينل السفير الفرنسي الجديد، باتريك دوريل، الذي قصد حزب الله مستفسراً عن موقفه في حال تجدّد الحرب، إجابة واضحة. وشرح محاولات بلاده لمنع وقوع فراغ بعد انتهاء مهمة اليونيفيل في جنوب لبنان، لكن أي مقترح لم يُكتب له النجاح بعد. كما استفسر عن تصور حزب الله لما بعد اليونيفيل. يعتبر الحزب أن الوضع في المنطقة ككل قابل لمزيد من التدهور، وأن ما حصل في الضفة قد يؤدي إلى تصعيد داخل الضفة نفسها، خصوصاً أن نية إسرائيل التصعيدية موجودة، ولو لم يتوافر لها مبرر. والسباق اليوم هو بين تحقيق خرق، في المفاوضات الأميركية الإسرائيلية، ولو كان احتماله ضئيلاً، أو الجنوح نحو الحرب التي يريد دونالد ترامب الخروج منها بصورة المنتصر. ولهذا، قد يعلن حرباً على إيران بعد الانتخابات النصفية الأميركية، ثم يعلن انتهاء مهمته. المؤكد، وفق ما سمعه لبنان من أكثر من موفد دبلوماسي عربي وغربي، أن المنطقة مقبلة على تصعيد واسع وأن توجيه ضرب لإيران سيحصل. أما التحذير الأكثر جدية للبنان، فكان ذاك الذي عبّرت عنه مصادر دبلوماسية بالقول إن الولايات المتحدة قد تنسى لبنان وتجمّد اهتمامها بهذا البلد، فيبقى الوضع على حاله لسنوات طويلة. ويتقاطع هذا الموقف مع تقرير إسرائيلي تسلّمته الأمم المتحدة، يؤكد عدم وجود نية لدى إسرائيل للانسحاب من لبنان. وهي ترفض وجود قوة بديلة عن اليونيفيل، أيا